فهرس الكتاب
بقلم الشيخ: عبد الله بن ناصر الرشيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإنَّ الله عز وجل خالق الخليقةِ ومالكَ الملكِ خلق عبادَه مختلفين، ولم يجعل المسلمين منهم كالمجرمين، ولا الفجَّار كالمتقِّين، وفرَّق بين أعدائه وأوليائه، ثمَّ أمر عباده المؤمنين بجهاد الكافرين وقتالهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين لله أو يعطوا الجزيةَ صاغرين، وجعل للجهاد كسائر العبادات التي أمرَ بها علومًا وأعمالًا ومعالم وحدودًا، وجعل العلم دليلًا للعمل والجهاد وحاديًا إليه، وجعل العمل تصديقًا للعلم وترسيخًا له، فمتى كان الجهاد بلا علمٍ أو الحديث عنه والدعوة إليه بلا عملٍ وامتثالٍ، نُزعت بركته وضاعت ثمرتُه والمقاصد الشرعية المنوطة به.
ومن هنا كانت الحاجة إلى كتابة الضوابط والحدود الَّتي ضبطت بها الشريعة مسائل الجهاد والقتال في سبيل الله، وقد اعتنى كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين بعموم أحكام الجهاد، أو بالتحريض على الجهاد وبيان وجوبه ومواطن ذلك، أمَّا الضوابط والمحرَّمات في القتال فلم أجد فيها من التفصيل ما يفي بالحاجة القائمة إليه.
واستغلَّ أهل النفاق هذا الجانب وكثرة الجهل به والغفلة عن تحرير مسائله ودقيق مباحثه، فأوردوا من الشُّبهات التي تستند إلى ما جاء في القتال من المحرَّمات ما يُفضي إلى سدِّ باب الجهاد بالكلِّيَّة وانقطاع القتال في سبيل الله والدفاع عن حرمات المسلمين، وتابعهم في بعض ما جاؤوا به كثيرٌ من السَّمَّاعين لهم من المسلمين، ومن يثق في بعضهم ويظنُّه من أئمَّة الدين.
والتفريط في معرفة ضوابط الجهاد وشروطه يفتح باب التخذيل والإرجاف والتعويق، كما أنَّ المُبالغة في تلك الشروط وتحميلها ما لا تحتمل يفتح باب التهوُّر والاندفاع في القتال على غير هُدى، فكان غالب الناس مع شروط الجهاد على حالين متضادَّتين: مَن عطَّله عن شروطه، ومن عطَّله بشروطِه، وإن كانت الكثرة للفئة الثانية لما ألفته نفوسهم من الاستضعاف وميل النفوسِ إلى الأمن وحبِّ السلامة، ومن آيةِ ذلكَ أنَّك ترى أحدهم لا يجري ذكر الجهاد على لسانه ولا يتحدَّث في شيءٍ من نوازله، ولا يحثُّ عليه بكلمةٍ، فإذا قُتل كافرٌ واحدٌ انتزع من الكتاب والسنة إن وجد أو من أقوال الفقهاء بفهمه الفاسد ما يُحارب به من قتل ذلك الكافر.
وقد ظهرت مقالات دعاة تعطيل الجهاد مع كلِّ عملية مباركة تسرُّ المؤمنين وتغيظ الكافرين، فمنها شبهات حول العهد والأمان، ومنها شبهات في بعض مسائل الجهاد كالتترس والبيات، ومنها شبهات في كفر بعض الطواغيت المرتدِّين، ومنها شبهات يخترعونها ويُوحيها الشياطين إلى أوليائهم ليُجادلوا بها المجاهدين ليست في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا كلام أحد من أهل العلم كتحريم قتل الآمنين أو المدنيين وتحريم التفجيرات والاغتيالات وخطف الطائرات، وأقلُّ ما يرجون من ذلك الإرجاف بالمجاهدين والتخذيل عن الجهاد، وكثُر من تأثَّر بشبهاتهم واستمع إلى مقالاتهم من عامة المسلمين ومن محبِّي الجهاد والمجاهدين، وكثُر السائل عن هذه المسائل؛ فلم يكن بدٌّ من تناولها بشيءٍ من البسط والاستيعاب.
والمحرَّمات في القتال دماءٌ حرَّم الله إراقتها، وأموالٌ حكم الله بعصمتها، وأعراضٌ جاء الشرع بحرمتِها، وأزمانٌ وأماكنُ حرَّم الله القِتال فيها، وسيكون أول هذه المسائل ذِكرًا إن شاء الله مسائلُ الدِّماء.
فالأصلُ في دماء الكفَّار الإباحةُ، بشرطِ بلوغِ الدَّعوة، ويسقطُ الشَّرطُ في حال دفع عدوانهم على المسلمين، فإذا بلغتِ الدعوة فالكفَّار قسمان: المباحةُ دماؤهم، والمحرَّمة دماؤهم.