الصفحة 1211 من 1360

إصلاح الغلط في فهم النواقض (10) إدخال الاصطلاحات العلمية في الحقائق الشرعية (1/ 2)

كتبه الشيخ: فرحان بن مشهور الرويلي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فإنَّ أهل العلم في توضيحهم المسائل العلمية احتاجوا إلى الاصطلاح على بعض الرسوم من أسماء المسائل أو تقسيمها ونحو ذلك بقصد التوضيح والتيسير، فاستعملوا أنواعًا من الاصطلاحاتِ في كثير من العلوم الشرعية، ونشأ الغلط في كثير من العلوم بسبب هذه الاصطلاحات عند غلط من يغلط فيُدخل الاصطلاحات في أصل العلم.

الخطأ في التعريفات: من الأمور التي اصطلح عليها أهل العلم الحدود المسمَّاة بالتعريفات، وكثير من الغلط في أبواب الشريعة عامة وفي مسائل الاعتقاد خاصَّة مَنشؤه التمسُّك بالتعريف وتعليق الأحكام به، وقد تقدَّم في العدد الماضي التنبيه على خطأ ناشئ من تفسير لا إله إلا الله والتمسك بلفظ التعريف.

ومن الغلط في التعريفات ما ينشأ عند كثير من الناس من تعريف العبادة، فممن عرَّف العبادة من عرَّفها باعتبار كمال العبادة الصحيحة فقال: غاية الحبِّ مع غاية الذلِّ، وهذا التعريف يُساق في الوعظ والكلام على أعمال القلوب، ولا يُراد به الجمع والمنع كما هو شأن الحدود، فاتَّكأ عليه غلاة المرجئة فجعلوا من لم يصرف الحب مع الذل أو الذل مع الحب أو صرفهما ولم يصرف غايتهما لغير الله موحدًا مؤمنًا لأنَّه لم يعبد غير الله.

وممن عرَّف العبادة من عرَّفها تعريفًا شاملًا للعبادة باعتبار الثواب لا باعتبار الفعل فقال: جميع ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة، واستند إلى ذلك طوائف من غلاة المرجئة فقالوا: كما أنَّ من ابتسم في وجه أخيه لغير وجه الله لا يكفر، فكذلك من صرف العبادة لغير الله، ودليلهم أنَّ تعريف العبادة لا يُفرِّق بينهما، وخلطوا معتمدين على التعريف بين العبادة بالأصل والعبادة بالقصد.

وهذه الأغلاط العظيمة ناشئة عن الخطأ في تعريف حقيقة شرعية واحدة هي حقيقة العبادة، فحصر من غلط الحقيقة الشرعية في مدلول اللفظ اللغوي واستند إلى ما يعروه من إجمال أو عدم جمع أو عدم منع، وحرَّف معنى الشرك الذي أرسل الله رسله في التحذير منه، وطمس معنى التوحيد الذي خلق الله العبادة لأجله.

ومن الأغلاط في التعريفات أن من الناس من يظنُّ الواجب من فهم كلمة لا إله إلا الله أو من معرفة معنى العبادة أو نحو ذلك؛ يظنُّ الواجب هو معرفة التعريف وحفظه، فيجعل تعريف لا إله إلا الله بقول القائل: لا معبود حقٌّ إلا الله، من أصول الدين وأسسه التي لا يكون الدين إلاَّ بها.

الخطأ في التقسيمات: ذكر بعض أهل العلم تقسيماتٍ عدةً في كثير من المسائل العقدية، ومن أشهر التقسيمات: تقسيم التوحيد ثلاثة أقسام، ثالثها توحيد الأسماء والصفات، فذهب بعضهم وجعل هذا التقسيم حقيقة شرعية لا يجوز الاجتهاد فيها ولا الزيادة عليها، وبنى على ذلك تبديع من أضاف قسمًا رابعًا كمن أضاف توحيد الحاكمية، وهذا قسم صحيح ثابت بأدلَّته وإن كان توحيد الحاكمية يتداخل مع غيره من أقسام التوحيد فإنَّ توحيد الأسماء والصفات في أصله داخل في توحيد الربوبية، وفي كثير من فروعه داخل في توحيد الألوهية كمسائل دعاء الصفة والاستعاذة بها، ومع ذلك لم ير أهل العلم قاطبةً من عدَّ هذا القسم الثالث مبتدعًا حيث كانت فهومهم أوسع، وفرَّقوا بين الاصطلاحات والأسماء الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت