الصفحة 1249 من 1360

وإذا كان أكرم الخلق وأشرفهم صلى الله عليه وسلم قد لقي ما لقي من التكذيب والاتهام والسبِّ والثلب والكذب، حتَّى اتُّهم صلى الله عليه وسلم في عرضه؛ فقذفوا زوجه عائشة رضي الله عنها، واتُّهم في أمانته فرماه المنافقون بالغلول حتَّى برَّأه الله عزَّ وجلَّ وأنزل: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) ، ورموه بأبي هو وأمِّي بالغدر والخيانة لاغتياله كعبَ بن الأشرف لعنه الله، ورموه بقطيعة الأرحام والتفريق بين الأب وأبيه، ورُمِي من قبله من الأنبياء والصالحين بأنواع التهم والأباطيل، حتَّى قُذفت مريم الصديقة بالزنا، ورُمي عيسى بأنَّه ابن زنا، واتُّهم موسى في جسده وآذاه المنافقون من بني إسرائيل وقالوا إنَّه آدر، ولم يخلُ مصلحٌ أو مجاهدٌ من متكلم في عرضه بالباطل، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، وقال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) .

ولذلك أخبر الله أتباع الرسل أنَّهم لن يخلُوا ممن يعيبهم بالباطل ويذمُّهم بالكذب والزور، ويؤذيهم بكل ما يُؤذي، وخاصة من الكلام فقال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا) ، وهذه الآية نزلت في المدينة بعد الهجرة كما في صحيح البخاري فكيف بما كان قبل الهجرة من الأذى؟

فمن هنا كانت أهمِّيَّة أن يعرف المسلم الحقَّ بدليله لئلاَّ تزلزله الفتن والدعاية التي ينشرها عدو الله، فمن آمن بالله وكفر بالطاغوت واعتقد وجوب الجهاد وناصر المجاهدين عن معرفةٍ لحقيقة الواجب عليه فإنَّه ثابتٌ بإذن الله لا تضره أكاذيب الطواغيت.

فإذا عُلم هذا؛ فمن وجد في نفسه ضعفًا عند مشاهدة أمثال هذه الفتن، فليرجع إلى نفسه ولينظر هل تأييده الجهاد ومناصرته المجاهدين عن عاطفةٍ وانفعالٍ وحماسٍ مجرَّدة ليست عن دليل وعقيدة؟ أم أيَّد المجاهدين انطلاقًا من الواجب الشرعي عليه بمناصرة الجهاد وأهله، ولينظر في أدلَّة المجاهدين وأقوالهم ويأخذها بأدلَّتها.

فإذا عرف حقيقة الجهاد فليعلم أنَّ الجهاد واجبٌ عليه مع البرِّ والفاجر، فلو كان المجاهدون فجرةً ظلمةً يُجاهدون جهادًا شرعيًّا وجب أن يُناصروا فيه ويُعانوا عليه، وهذا من معتقد أهل السنة الذي لا يختلفون فيه، ودلالة الكتاب والسنة عليه لا مرية فيها، هذا لو كان المجاهدون كما يصف الطواغيت من الفجور، فكيف وقد علم الله والمؤمنون أنَّه كذبٌ وبهتان؟ وأنَّ المجاهدين أهل صدقٍ وصبرٍ صُوَّام نهارٍ قُوَّام ليل في السنة كلِّها فكيف في رمضان الذي يُنيب فيه العاصي ويلين القلب القاسي؟!

والواجب على المسلمين إذا سمع مثل هذه المقولات عن المؤمنين أن يقول ما أمره الله عز وجل: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) ، (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت