ومن عرف الطواغيت وحقيقتهم لم يرُج عليه هذا فإنَّ شأنهم كسائر الكفرة من قبلهم في الكذب والبهتان والصدِّ عن سبيل الله، بل من عرف حقيقتهم استغرب تأخرهم في هذه الفرى والأكاذيب فإنَّهم لا يتركون سبيلًا لحرب الدين إلاَّ سلكوه، وقد سلكه الطواغيت قبلهم في مصر واليمن وغيرهما، فحالهم كما ذكر الله عن أسلافهم (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) .
ومن عرف السجن وما فيه لم يستغرب أن يخرج الأخ إمَّا مُكرهًا إكراهًا حقيقيًّا وإمَّا متأولًا فيقول ما يملونه عليه من الكذب، ويلزمونه به وقد أكره المشركون في مكة عمار بن ياسر على سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بسبِّ من دونه؟ والمسلم في مثل هذه المواقف يعتصم بالله ويسأله الثبات وأن يريه الحقَّ حقًّا ويرزقه اتباعه ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه، فلولا تثبيت الله لركن رسوله صلى الله عليه وسلم شيئًا قليلًا، فكيف بمن دون رسول الله ممن لم يضمن له الله الثبات؟
وليحذر من سمع هذه الأمور وصدَّق الكافرين ثمَّ عمل بما يقولون أن ينطبق عليه قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) ؛ فبيَّن الله أنَّ البداية بميل الأفئدة إلى كلامهم ثمَّ الرضا به، ثم العمل بذلك واقتراف الأمور المنكرة من الشرك فما دونه، فعلى المؤمن الحذر من خطوات الشياطين ولا يكن من المنافقين والسمَّاعين.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
الأخ أبو عبد الله الأزدي يسأل ويقول:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
ما هو تفسير قول الله عز وجلّ (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ، من هم أئمة الكفر المعنيّون في الآية، أخذًا في الاعتبار العموم لا خصوص سبب النزول، وفيمن نزلت؟ وما هي صور الإمامة في الكفر في زمننا الحاضر وجزاكم الله خيرًا؟
الأخ الكريم أبا عبد الله الأزدي زاده الله من العلم والإيمان وجعله مباركًا أينما كان ..
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فسؤالك عن تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ، ومن هم أئمة الكفر المعنيُّون في الآية؟ وما هي صورها في العصر الحاضر؟ مع أخذ عموم المعنى في الاعتبار دون سبب النزول.
فالجواب: أنَّ الله تعالى ذكره أنزل هذه الآية في مشركي قريشٍ وهي عامَّة في حكمها لكل من كان حاله حالَهم، وأئمة الكفر رؤوسه ودعاته في كل زمان، وخاصة من نكث العهود أو ارتد بعد الإيمان وطعن في الدين.
وقد فصَّلتُ بعض الأحكام المتعلقة بالآية وشيئًا من تفسيرها في رسالةٍ تنشر قريبًا إن شاء الله، والله ولي التوفيق.