فهرس الكتاب
أولهما: قتل نسائهم وأطفالهم في البيات والتترس، مما هو جائزٌ في الشرع ولو لم يفعله الكافر، فإذا فعله الكافر صارت المعاملة بالمثل دليلًا زائدًا في المسألة مؤكّدًا للقتال محرِّضًا عليه.
وثانيهما: قتل نسائهم منفرداتٍ إذا قتلوا نساء المسلمين، لعموم المعاملة بالمثل، ولأنَّ قتل النساء حرمةٌ محرَّمةٌ لحق الله عز وجل لا حقَّ فيها لآدميٍّ في الأصل، بدليل عدم وجوب الدية في دمائهنَّ وإنَّما يجب العوض لو قُتلن بعد الأسر لحقِّ الغانمين؛ فتُباح على المعاملة بالمثل إلحاقًا بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام، وقد يُستدلُّ لهذا بحديث الصعب بن جثَّامة في قوله صلى الله عليه وسلم: "هم منهم"، فهنَّ منهم في الأحكام إلاَّ ما استثني وليس لهنَّ في أنفسهنَّ حرمةٌ، فإذا قتلوا نساءنا قتلنا النساء اللاتي هنَّ منهم والقصاص منهنَّ قصاصٌ منهم ليس قصاصًا من غير الجاني، وقد يُستأنس لهذا بما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملةٌ؛ فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمَّ أمر بها فأُحرقت، فأوحى الله إليه: فهلاَّ نملةً واحدةً؟! "، ففي الحديث أنَّ ما ليس له حرمةٌ بعينه وإنَّما تحريمه لجنسه= يجوز القصاص فيه من غير الجاني حيث كان من الجنس نفسه، والكفَّار كذلك ليس لهم في أنفسهم حرمة بدليل عدم الدية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هم منهم"، فجاز القصاص منهم ولو أصاب القتال غير الجاني، كقتل نسائهم إذا كان رجالهم يقتلون نساء المسلمين.
وقد يقول قائل إنَّ الكافر لو اغتصب المسلمة واستكرهها على الزنا فهو كقاتلها، لأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ذمِّيًّا استكره مسلمةً على الزنا، فإذا جاز قتل الذمِّي وهو أعظم حرمةً من المرأة الكافرة بدليل ثبوت الدية له، وتغليظ النصوص في قتله، فإذا كان انتهاك عرض المسلمة يُبيح حرمة الذمِّي، فإباحته ما دون الذمي من الحرمات أولى، كالمرأة الكافرة.
والأظهر أنَّ الذمِّي إذا استكره المسلمة لم يكن ذا حرمةٍ فتفرضَ مسألة قياس الكافرة بالأولى اقتصاصًا للمسلمة، بل عهده منتقض وذمَّته باطلة باستكراهه المسلمة، فلا يُقتل إذ يُقتل وهو ذو حرمةٍ أصلًا، بخلاف قتل الكافرة إذا اغتصب زوجها أو أخوها مسلمةً فإنَّها تُقتل إذا قُتلت وهي ذات حرمةٍ تمنع قتلها، فلا يجوز أن تُقتل المرأة بذلك بل يُقتل من اغتصب المسلمة وينتقض عهده إن كان ذا عهد.
وفي القول بقتل نساء الكافرين إذا قتلوا نساء المسلمين معاملةً بالمثل قوَّة وله وجهٌ، وإن كنتُ أتهيَّب الجزم به لعدم من فعل ذلك من المسلمين في حروبهم فيما أعلم، وكان من عدوِّهم من يقتل النساء والأطفال إذا ظهروا على شيء من بلاد المسلمين، وليس الدليل عليه بالظاهر ظهورًا يكفي في استباحة دماء النساء، وممن قال بهذا القول من المعاصرين: أبو قتادة الفلسطيني فكَّ الله أسره، ويوسف العييري تقبله الله في الشهداء في كتابه النافع (حقيقة الحرب الصليبية الجديدة) ، وابن عثيمين في بعض فتاواه، ولم أجد من قال به من المتقدِّمين.
ومثل النساء في هذا الحكم من قيل باستثنائه من الرجال العقلاء، أمَّا الصبيان والمجانين فقد يُقال بإلحاقهم بآبائهم على ظاهر الحديث، لكن فيه بُعدٌ؛ وليسوا كالنساء من كل وجه، فإنَّ النساء الكوافر تهدر حرمتهنَّ بكفرهنّ مع حرمة القتل في الأصل، أمَّا الصبيان فلا يصحُّ منهم كفرٌ إلاَّ بالتبعية للدار أو لآبائهم، واشتراكهم مع النساء في حكمين: القتل في البيات والغارة، وملك رقابهم بالسبي، قد يقوِّي إلحاقهم بهنَّ في القتل قصاصًا والجزم بذلك عسيرٌ، والله أعلم.