من كان مُستنًّا فليستن بمن قدْ مات
قبل أن أدلف إلى الموضوع الذي أردت بيانه أريد التنبيه على أنه يوجد من يعيب على المجاهدين أنهم لا شيوخ لهم، ولا علماء يرجعون لهم، وهذا باطل من القول وزور، فإن المجاهدين ما خلو من علماء صادقين قدموا الدين على الدنيا واشتروا الآخرة بالأولى، وسبقوا إلى ساحات القتال وأرض المعارك، وقبل ذلك محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام الذين سلكوا درب الجهاد ومضوا عليه وكما قال الشاعر:
قالوا: فهل لك قدوة تمشي على ... آثارها ... من ... عالم ... أو ... قاري
قلت: ... النبي ... محمد وصحابه ... بجهادهم سادوا على الأمصار
أنا قدوتي ابن الوليد ومصعب ... وابن ... الزبير ... وسائر ... الأنصار
ونحن نقول أيضًا:
يا من يعيب على الجهاد وأهله ... أن ليس شيخٌ بينهم أو قاري
أولست تذكر شيخهم عزام من ... قتلته ... عصبة ... كافرٍ ... غدارِ
شيخ ... يصدق ... بالفعال كلامه ... عشق الجهاد وسار في الأخطار
والشيخ أنور في بلاد الروم قد ... قاد ... الكتائب، ... مرعبُ ... الكفار
من قبلهم "مروان [1] " في الشامِ ... فكم غاض النصيريين، بالخطّار
حمل اللواء لحربهم حتى قضى ... ومضى شهيدًا، بالكرامة ساري
علماؤهم "ابن المبارك" حينما ... سلك الجهاد وخاض كلَّ غِمَارِ
وجهادهم نهج الرسول وصحبه ... أما القعودُ فوصفُ ذاتِ خمارِ
أيها المجاهدون تمسكوا بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا يضيركم ما يحصل من انتكاس من انتكس أو نكوص من نكص، سواء كان من العلماء أو العامة، أو ممن لهم سابقة في القتال والجهاد، إذ لا أحد معصوم من البشر سوى الأنبياء، والثبات عزيز، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: "وَإِنَّمَا دِينُ اللَّهِ مَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ طَرِيقَةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْرِ الْقُرُونِ وَأَفْضَلِ الْأُمَّةِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ النَّبِيِّينَ , قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فَرَضِيَ عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ رِضًا مُطْلَقًا وَرَضِيَ عَنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: "خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ؛ أُولَئِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا؛ قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رضي الله عنهما: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ اتَّبَعْتُمُوهُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا وَلَئِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" [2]
نعم من كان مستنًا فليستن بمن قد مضى ولا يضرنكم أيها المجاهدون أنكم قليل:
تُعَيّرُنَا أنَّا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها: إنَّ الكرامَ قليلُ