ثم نظر المجاهدون إلى حال الأمة الذليلة المستضعفة، ووجدوا العدو صال على بلادهم وداهمها وحل بها، ونظروا في كتب الفقه فوجدوا العلماء قد أجمعوا وبلا تردد على أن العدو إذا صال على بلاد المسلمين فقد وجب دفعه وأصبح الجهاد فرض عين وليس شيء أهم بعد الإيمان من دفع ذلك العدو الصائل، إلا أن المجاهدين لما سمعوا أن الجهاد قد تعين وصدع بهذا الحكم الشيخ عبد الله عزام، قال الشباب لبيك لبيك ربنا وسعديك، فباعوا الدنيا وتركوا الزوجات والأولاد والأموال وداسوا بأقدامهم على كل معاني الترف والرفاهية، وعانقوا النجوم بهامات لم يطأطئوها لكافر ولا مرتد.
إن المجاهدين قرأوا في القرآن قول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، وسألوا أنفسهم عن درجة إيمانهم فوجدوا بأنهم يزعمون الإيمان، فقالوا لقد مضى البيع إذن إن كنَّا مؤمنين حقًا، وصادقين بتمني الفوز العظيم.
وخافوا بأن يرفضوا هذا العقد وهم قادرون عليه فيحق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) وتأكد لهم وعيد الله عندما وجدوا قول الله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) فمن رفض العقد المتقدم نصه وهو قادر عليه، رغبة في الدنيا حينما يجب الجهاد، فهو فاسق ظالم لنفسه، بل ومعرض لوعيد أشد وهو قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
هذه هي بعض دوافع المجاهدين، فصححوا النظرة للمجاهدين واعلموا أن دوافعهم ليست البحث عن حرية التعبير أو كبت رغباتهم أو عدم وجود محاضن تربوية لهم، أو لأنهم لم يجدوا فرصة للحياة المستقرة لا في الدول العربية ولا في الغرب.
كَتَبَ الرسائل في الجهاد رصينةً ... في ... حجةٍ ... منصورةٍ ... وبيان
عاش ... الحياة ... بعزةٍ ... وكرامةٍ ... مستأنسًا ... بعبادة ... الرحمن
وثوى شهيدا في مفاوز (حايلٍ) ... عبِق العبيرِ و طيّب الأكفان
من بعد ما أفنى الشهور مُطاردًا ... وغداغريبًا وهو في الأوطان
[1] بتصرف يسير من رده على بيان الأمة لسفر الحوالي لما قال عن المجاهدين:"إنهم لا منهج لهم ولا راية".