الصفحة 198 من 1360

سنوات خدّاعة دراسة لواقع دعاة الصحوة ... 2

حلقاتٌ يكتبها: يحيى بن علي الغامدي

كيف تغيّر الدعاة؟

إن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يديل على هذه الأمة أعداءها، ويعاقبها جل وعلا على ما فرّطت في جنبه وعلى ما أحدثته من المعاصي والبدع والابتعاد عن سبيل الله القويم كان من مظاهر هذا العقاب الذي غيّر واقع الناس في الأمة الإسلامية: تغيّرُ مفاهيم كثيرٍ من المسلمين - إلا من رحم ربي وقليلٌ ماهم - فأصبح الربا من ضرورات الدخول في منظمة (الجات) ، وأصبحت موالاة أعداء الله سبحانه وتعالى وأعداء الدين والملة والتحاكم إلى غير ما أنزل الله وتحكيمه: من الشروط الضرورية للانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة الطاغوتية، وأصبح الغناء فنًا راقيا، ونزع الحجاب حريةً وتقدمًا، أصبح الجهاد لدفع أعداء الأمة - دعك من طلبهم - إرهابًا ووحشية وقتلًا للأبرياء.

وحمى الله سبحانه وتعالى الحصن الأخير للأمة وهم علماء الأمة ودعاتها الذين لم تأخذهم في الله لومة لائم، فوقفوا في وجه المد التغريبي العلماني الاستعماري الهدّام وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وقاموا بواجب الدعوة إلى الله وبيان حقيقة الإسلام خير قيام، فعاداهم الطواغيت وسجنوهم وضيّقوا عليهم في معايشهم، فبعضهم لانت قناته من أول عركة، وبعضهم ظل صامدًا بطريقةٍ تثير الإعجاب وتستحث الدعاء له ولأمثاله من إخوانه الأسرى والمطاردين - نسأل الله أن يثبتهم -، وأما القسم الأخير فهو محل حديثي، فقد بدأت أفكاره تتغير ومواقفه تلين وصموده يستحيل حنكةً ومراعاةً للواقع وفهمًا للسياسة الدولية ومجاراةً لها، زعموا!!

هؤلاء العلماء كانوا إنسان العين بالنسبة لجماهير الشباب، وكانوا من المراجع التي يعتمد عليها الناس في تنزيل نصوص الوحيين على واقعٍ بئيس سكت فيه الكثيرون، وكان بعض هؤلاء العلماء يرسلون الشباب إلى الثغور ويقدموهم للساحات إما بأشرطتهم وكتبهم ومضامين أفكارهم القائمة على نبذ الحكم بغير ما أنزل الله وجهاد الطغاة، وإما بالدعم المادي المتحقق على الأرض فعلًا.

وهكذا سار العالم في تناغمٍ (ظاهري!) [1] مع المجاهد، ولم تطف الخلافات إلى السطح وقامت في ذلك الوقت سوق الشهادة وارتفع شأن المجلس عند هؤلاء الدعاة والعلماء.

بيدَ أن الدعاة سُجنوا وطالَ سجنهم، فلما خرجوا من السجن وجدوا المجاهدين على نفس المستوى من الصبر والثبات واليقين بوعد الله ومواجهة أعداء الله سبحانه على جميع تراب هذا الكوكب، وهم - أعني الدعاة - قد مورست عليهم ضغوط قوية (ولكنها ليست أقوى من الضغوط التي مورست على إخوانهم في الدول العربية ولا على المجاهدين في نفس بلاد الحرمين) وكان السجن تجربةً جديدة كليًا عليهم، فهم لم يعهدوا من مشايخهم في هيئة كبار العلماء إلا (ووالينا أدام الله والينا) وما كان عندهم رصيد سابق من المواجهة، بل إن بعضهم كان يعتقد بعقله الباطن أن الدولة مبنية على أساس ديني فلا يمكن أن تتصدى للدعاة بالسجن والتغييب، فحصل من ذلك أن خبرتهم في مواجهة الضغوط قليلة وضعيفة وغير فاعلة، فاستسلم كثيرٌ منهم لهذه الضغوط.

فأحدهم بدأ يعيد الحسابات ويتجه نحو (العصرنة) وتمييع المفاصلة مع أعداء الله من المرتدين والرافضة والزنادقة بل وتمييع مفاهيم الجهاد والشهادة بل لقد وصم المجاهدين والفدائيين بوصمة (الجهاديين) - على جهة الذم -، وغيره من رفاق دربه وصمهم بـ (التكفيريين) ، ولعمري إن حال المجاهدين مع هؤلاء كما قال السموأل:

تعيّرنا أنا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليلُ

أو كما قال القائل:

عيرتني بالشيبِ وهو وقارُ ... ليتها عيّرتْ بما هو عارُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت