من وراء القضبان .. السجن جناتٌ ونار
بقلم الشيخ أبي محمد المقدسي
(السجن بلاء إما أن يُثمر أو يَكسر أو يُعكر) هذه المقولة نردّدها نحن خريجو السجون كما يحلو للبعض تسميتنا وهي مقولة تكرّست من مشاهداتنا في السجون، ولذلك فهي تصف حقيقة السجن وآثاره المتباينة على من يدخلونه ويعيشون في أقبيته وبين قضبانه ويمكثون في زنازينه ويعايشون ساحات تعذيبه.
ومن لم يعايش ذلك ويعرفه عن قرب فقد يعجب أو يفاجأ بما يصدر عن كثير من رواد السجون من تقلبات أو تصريحات .. أما من عايشه وذاق ويلات بلائه وصنوف الأذى وفنون التعذيب في ساحاته فربما تروّى وتريّث قبل أن يطلق أحكامه على بعض أهله إن بدرت منهم بعض التصريحات العكرة أو حتى المنكسرة، ويتريّث في متابعة فتاويهم المناقضة لمنهجهم والتي قد تصدر تحت الإكراه ..
فالسجين قاصر الأهلية لمظنة تعرضه للضغظ والإكراه؛ ولذلك لا يحل أن يحمل المسؤولية الكاملة عن أقواله حتى يخرج من الأسر والقيد فيبين عن أقواله مختارًا دون أي ضغط أو إكراه؛ ويتأكد ذلك في مشايخ التيار الجهادي لضراوة عداوة الطواغيت لهم وشدة ضغطهم عليهم ... فبدهي أن شدة عداوتهم لمن جرّد سيفه في وجوههم أو حرّض على ذلك ليست كعداوتهم لغيره ..
ولذلك نصحنا كل من زارنا وراجعنا بما صدر عن الشيخ الخضير وناصر الفهد وأمثالهم من المشايخ بعدم الاغترار بما صدر عنهم من الفتاوى أو التراجعات في الأسر أولًا، والتريث ثانيًا وعدم إطالة ألسنتهم في أعراض هؤلاء المشايخ، والدعاء لهم بأن ينجيهم الله من كيد الطواغيت والتريث إلى أن يفك الله أسرهم ..
ولذلك كففنا ألسنتنا عن قيادات الجماعة الإسلامية في مصر لما خرج عنهم ما خرج من تراجعات في السجون تحت مسمى المراجعات ولازلنا إلى اليوم نتحفظ في كلامنا على من لا زال منهم في الأسر ونحفظ لهم سابقة دعوتهم وجهادهم وبلائهم في الله، بخلاف من قد خرجوا أو كانوا بالخارج أصلًا فقد ساءنا إخلاد بعضهم إلى الأرض وما نسب إليهم من انتكاسات كما ساءنا جدًا هجومهم على إخواننا المجاهدين في القاعدة ومبادرتهم بالتبري منهم، ودعوتهم إلى التوبة مما يقومون به من عمليات جهادية؛ وكأنهم قد اقترفوا منكرًا من الفعل وزورًا؛ معتمدين في التشنيع عليهم بدعاوى قتلهم للمسلمين واستهدافهم لمكة والمعتمرين؛ على المعلومات التي تعلنها الحكومات الكافرة ويروجها إعلامها الخبيث, مع أنهم أنفسهم قد جربوا كذب هذه الحكومات وإعلامها وقد اكتووا بناره من قبل!! وإلا فهل يصدق مسلم عاقل أن مجاهدي القاعدة وأمثالهم من المجاهدين يمكن أن يستهدفوا المسلمين سواء كانوا في الرياض أو جدة أو غيرها؛ فضلًا عن استهداف المعتمرين في مكة البلد الحرام؟! اللهم إلا إذا كانوا يعدََّون عملاء السي آي إيه والإف بي آي الذين قد طفحت بهم الجزيرة من المسلمين, أو أنهم يقصدون بالمعتمرين الطواغيت الذين يعتمرون لالتقاط صور يروجونها على شعوبهم وللتضييق على المسلمين في مناسكهم ... أعتذر للقارئ عن هذا الاسترسال, وأرجع إلى ما كنا فيه ...
نعم السجن قد يثمر ثمرات عظيمة عندما يوفق صاحب الدعوة أو المجاهد في استغلاله في طاعة الله وعبادته وحفظ كتابه وطلب العلم ونشر الدعوة, والاستفادة من تجاربه وتجارب الآخرين ليخرج منه أصلب مراسًا وأشد تمسّكًا بدعوته وثباتًا على جهاده ومنهاجه.
وقد يكسر بأن ينقلب المرء على عقبيه فيجعل فتنة الناس كعذاب الله فيبدّل ويغير ويتراجع ويُخلد إلى الأرض بعد أن عرف الحق وأبصره وسار على الدرب وتبيّنه .. فيغدو يُلبس الحق بالباطل وينحاز إلى عدوة أعداء الدين، وصور ذلك كثيرة ومتنوعة، نسأل الله العافية والسلامة وحسن الختام ...