وقد يُعكّر .. والمعنى أنه قد يحرف المرء عن الجادة بحسب طبيعة المرء، فإن كان إلى الشدة أميل انحرف به القيد والكبت والتعذيب إلى الغلو، ومن كيس هؤلاء خرج الفكر السجوني التكفيري الذي كفّر الخلائق بالعموم والمجتمعات بالجملة، وصار التكفير عندهم لا يتّبع الدليل بل عبارة عن ردود أفعال انتقامية وتشنجية لا تستثني أحدًا إلا من كان على طريقتهم واعتقد معتقداتهم بحذافيرها وإن كانت طبيعة السجين إلى اللين أميل انحرف به إلى التجهم والإرجاء العصري أو التفريط والمداهنة وتتبّع الرخص أو قل زلات العلماء وأخطائهم وتبنيها لا عن قناعة وتفهّم واستدلال؛ بل لمناسبتها لرغباته وتوجهاته التي مال إليها في ضيق السجن، وبنات أفكاره التي ارتضاها وانحرف إليها عقله المعيشي لشدة القيد ...
هذه كلها آفات عايشنا أهلها، ونجانا الله تعالى بفضله ومنّه وكرمه وإحسانه وتوفيقه وتثبيته وحده؛ من أهل الإفراط وإفراطهم وأهل التفريط وتفريطهم ..
أضف إلى هذا أن فتنة السجن وأذى أعداء الله فيه تتفاوت تبعًا للبلاد المختلفة وضراوة التعذيب فيها، وتبعًا لمجاهرة صاحب الدعوة بدعوته وعقيدته الحقة، وتبعًا لمدى قربه من التيار الجهادي الأشد عداوة للطواغيت, وأيضًا تبعًا للمراحل التي يمر بها المعتقل, فأول أيام الاعتقال حيث الحبس الانفرادي والتحقيق المتواصل وساحات التعذيب ومنع الاتصال مع العالم الخارجي, هذه الظروف أشد من ظروف السجين بعد استقرار أمره ونقله إلى السجن العام، حيث يتيسر اتصاله بالناس ...
ومعرفة تفاصيل هذا كله، وفي أي المراحل والظروف صدر ما صدر عن المعتقل يمكن من خلاله تقدير مصداقيته وقيمته .. وعلى كل حال يبقى السجن عمومًا مظنةً للضغط والإكراه فالسجين ما دام في القيد والأسر فهو عرضة لتقلب ظروفه ونقله وتحويله إلى سجن آخر وتعرضه إلى ضغوط مفاجئة، وغير ذلك من الأحوال التي يجب مراعاتها والنظر فيها عند تمحيص ما يصدر عن السجناء من فتاوى وتصريحات .. ويتأكد ذلك إذا جاءت مناقضة لنهجهم وسيرتهم الأولى ..
أذكر هذا لمن لم يعايش السجون وفتنها ليعرف ويتبصر بحال ما يصدر عن السجين فلا يتعجل بالحكم عليه, أو يتضرر بتقلباته في السجن أو تراجعاته إذا كان شيخًا أو متبوعًا, وإن كان الأولى فيمن كان كذلك أن يأخذ بالعزيمة ولو قُطّع ولو حرّق, وأن يختار القتل والأذى والهوان في سبيل صيانة دينه وعدم التلبيس على الأمة ويتأكد ذلك في حق رموز التيار الجهادي في زماننا لأنهم أقل من القليل والناس تنظر إليهم في خضم الملحمة الدائرة بين الإسلام والكفر ويسمعون ما يقولون, ولهم في ذلك قدوة وأسوة بمن سبقوهم كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النابلسي الذي سُلخ جلده ليبدل فتواه في قتال العبيديين المرتدين فلم يفعل حتى قُتل رحمه الله وأمثالهم ممن رفع الله ذكرهم بثباتهم على الحق ..
ولا يغفلوا عن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وليتذكروا دومًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا له بعض أصحابه أذى المشركين في مكة فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها, ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين, ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه, ما يصده ذلك عن دينه .. ) رواه البخاري.