الصفحة 231 من 1360

ومع هذا فلا بد من اعتبار ما قدمناه حتى لا يبادر المرء بالطعن في إخوانه المبتلين أو التضرر بتصريحاتهم وفتاواهم التي تصدر من وراء القضبان, بل يتأملها فإن كانت على ما كانوا عليه من الحق من قبل فبها ونعمت وإن تغيّرت إلى الإفراط أو التفريط لم يبادر إلى الثلب والطعن على قائلها حتى يعرف ظروف قوله لها، وليتريّث حتى يفرج الله عنه, فإن أصر في السعة على ما قاله في القيد فلكل حادث حديث .. وإلا فقد كفى الله المؤمنين القتال وحفظنا أخانا في غيبته، فالأصل إحسان الظن بالمسلمين فضلًا عن أنصار الدين ..

وأخيرًا فقد قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) فهذه قاعدة من قواعد أهل الإسلام أن الله كتب على نبيه صلى الله عليه وسلم الموت (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) ولم يُعلّق دينهم بحياته ووجود شخصه بينهم, وإنما علّق قلوبهم به سبحانه الحي الذي لا يموت وبدينه وكتابه الذي لا يغسله الماء, ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فمن تعلق به فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وإذا كان ذلك كذلك بالنسبة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم أعز الخلق وأحبهم إلى المسلمين, فغيره من البشر الذين قد تطرؤ عليهم إضافة إلى طوارئ الموت أو القتل؛ طوارئ الردة والتغيير والتبديل من باب أولى أن لا يعلق المسلم دينه بأشخاصهم، والأصل فينا أهل الإسلام عمومًا ودعاة التوحيد وأهل الجهاد على وجه الخصوص عدم التقليد, وعدم قبول قول القائل إلا بدليل شرعي ..

قال تعالى لنبيه: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ) وقال سبحانه: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) ودين الله غني عن العالمين (إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) ولو شاء الله لانتصر من أعدائه بغير أنصار ورجال، ولكن ليبلو بعض الناس ببعض ويتخذ من المؤمنين شهداء. وهذه الهزّات يتميّز بها أهل الثبات عن أهل الذبذبة والإرجاف .. الظانين بالله ظن السوء الذين لا يزيدون الصف إلا خبالًا, فمن كان ينتظر مثل هذه الهنّات ليعلّل بها تخاذله ومفارقته للقافلة وتركه الصف, فأبعده الله وسيزداد الصف ببعده تماسكًا ورصًّا وثباتًا .. (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فمن كان يعبد المشايخ الخضير أو ناصر الفهد أو أبا قتادة أو المقدسي أو غيرهم فإن المشايخ غير معصومين ولا تؤمن عليهم الفتنة, ومن كان يعبد الله فإن دين الله ثابت راسخ معصوم لا يعتريه التبديل ولا التغيير (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) ومن علم الله منه خيرًا وصدقًا ثبته وعصمه, ومن علم منه غير ذلك صفى الصفوف ونقاها منه ومن أمثاله بمثل هذه الهزات ..

(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت