الصفحة 277 من 1360

إن مشكلة المشايخ أنهم تأخروا في اتخاذ الموقف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولعل هذا لأن الحدث عظيمٌ جلل، وساهم بقوةٍ في إعادة الروح المعنوية للأمة وتعبئتها نفسيًا للمواجهة، فصدم الدعاة لأن هذا التغيير لم يكن عن طريقهم - وكأنهم قد وقعوا عهدًا مع الله أن لا ينصر الدين سوى مشيخة السعودية!! [4] - ثم لما اتخذوا موقفهم من الأحداث أتى مخنثًا خداجًا كريه المنظر والمخبر، فأطراف هذه الحرب هم الفئة الصادقة من شباب الأمة وشيبها وعلمائها ومفكريها تقابلهم فئة الكفر العالمي أمريكا ومن معها، وكلا الفريقين ينظر للآخر على أنه هو الند المناوئ، ويحسب له ألف حساب، فإذا أتى المشايخ واتخذوا موقفًا مخنثًا فسيحتقرهم الفريقان وسيشعر أنصارهم - أنصار المشيخة - والمدافعون عنهم بالحرج الشديد، لأنهم يعلمون أن الإدارة الأمريكية لم ولن تهتم بهؤلاء فهم أشبه بالصبية الذين يتجمهرون حول المضاربات في معارك الأحياء القديمة، ويذكرني موقفهم بموقف الصحاف - بعد سقوط بغداد - عندما لم يُعلن اسمه ضمن قائمة الكوتشينة الشهيرة، أُشيع حينها أنه توسّل إلى القوات الأمريكية الغازية أن تعتقله لمدة يوم أو يومين على الأقل لكي يبدو بطلًا في عيون السذج من أبناء شعبه، ولو أن هؤلاء المشايخ ركبوا الموجة واستغلوا هذه العواطف المتدفقة من جماهير الناس نحو الشيخ أسامة والمجاهدين وأيدوهم وأيدوا أفعالهم لكان خيرًا لهم فالإنجليز يقولون: راهن دائمًا على الجواد الرابح!! [5] ، ناهيك عن أن هذا هو عين الواجب عليهم من نصرة المجاهدين والوقوف معهم ضد الأعداء.

داء العلماء

روي في بعض الإسرائيليات أن إبليس كان يحمل بضائع: فباع منها الكيد للنساء والحسد للعلماء ..

إن جيل الصحوة الحالي والذي نشأ على أيدي هؤلاء الدعاة لا يدرك - في الغالب - حقيقة مهمة وهي أن هؤلاء المشايخ تصدروا للأمة وأدوات التصدر لمّا تكتمل لديهم بعد.

فهم قد أتوا والناس في الجزيرة تعاني قصورًا شديدًا في فهم الأمور السياسية وتحليلها فضلًا عن المشاركة فيها، وأيضًا كان طلب العلم مقصورًا على فئة معينة، فلما أتى هؤلاء وفتحوا أعين الناس - الذين كانوا يعانون كبتًا فكريًا شديدًا وحصرًا لمنافذ التلقي على الحاكم وآلته الإعلامية - على بعض التجاوزات السياسية للحكومات العربية والإسلامية وبعض الخيانات للحكام وبعض أمور الخداع الدولي والتآمر العالمي على المسلمين: انبهر الناس بهم، واتخذوهم رؤوسًا للأمة يفتون في كل شؤونها فلا يرد عليهم أحد، ويشيرون فيتسابق الشباب لتلبية إشارتهم، وفي الحقيقة أن بعضهم - بل كثيرًا منهم - لا يستحق ربع هذه المنزلة، فبعضهم - بل أكثرهم - لم يؤُسس تأسيسًا علميًا صحيحًا يؤهله لكي يكون عالم أمة يرجع الناس إليه في شؤون دينهم ودنياهم، قصارى ما هنالك كتابان أو ثلاثة لسيد قطب ومثلها لأخيه (رحم الله الأول وحفظ الآخر) وبعض الكتب الفكرية، وبعض المختصرات الفقهية وانتهى الأمر ..

فلما استجدت مستجدات احتاجت الأمة فيها إلى فتاوى علمية راسخة من علماء لهم قدم صدق في الحق وعلمٌ راسخ أصيل، تلعثم هؤلاء وبدأ جهلهم يظهر ويطفوا على السطح، فهذا لا يعرف أبسط القواعد في المفاسد والمصالح - والتي مافتئ يتحجج بها - والسبب أن تخصصه في الجامعة: عقيدة، والآخر يتكلم بكلام عجيب ويحمل النصوص على غير محاملها والسبب أنه لم يدرس في كلية اللغة العربية بل درس في كلية الشريعة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت