العقيدة أولًا الناقض الثاني: اتخاذ الوسائط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين ..
أما بعد:
فقد تقدم الحديث عن أول ناقض ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض الإسلام، وهو الشرك في عبادة الله، وذكر من صور الشرك دعاء غير الله.
والناقض الثاني الذي ذكره الإمام رحمه الله متفرع على الناقض الأول وجزء منه، وهو: من اتخذ وسائط يدعوهم من دون الله ويستغيث بهم ويتوكل عليهم، وإنما أفرده الإمام لأنَّ البلوى به أكبر وأعم ولأن أكثر المشركين من المنتسبين إلى الإسلام يستدل به ويستند إليه.
فإنَّ من يدعو غير الله لا يخرج عن هذه الحالات الثلاث:
أن يعتقد أنَّ المدعوَّ قادر مستقل عن الله عز وجل، وأنَّه مستحق لأن يُدعى ويُطلب منه ما يكون من خصائص الرب جل وعلا، سواء اعتقد أنه هو الله، أو أنكر وجود الله واعتقد ربًّا غيره، مثل من يعبد النمرود وفرعون ونحوهم ممن ينكر وجود الله ويدعي أن معبوده هو المعبود الأحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه.
أو أن يعتقد أنه قادر شريك لله عز وجل، ويستحق الدعاء مع الله، فيدعوه: كمن يدعو عيسى عليه السلام وأمه.
أو أن يعتقد أنه ليس شريكًا لله بل هو عبد من عباد الله، ولكن يتخذه وسيطًا بينه وبين الله، كما كان يفعله بعض المشركين الذين بُعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
فالناقض الأول يشمل الصور الثلاثة، والناقض الثاني خصه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بالصورة الثالثة من هذه الصور.
وصاحب هذه الصورة الثالثة لا يكون مشركًا في الربوبية من هذا الوجه، بل شركه في الألوهية، أي في صرف العبادة إلى غير الله عز وجل.
ومن ذلك المشركون الذين حكى الله عنهم أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وأما المشركون المعاصرون الذين يعبدون النبي صلى الله عليه وسلم والأولياء والصلحاء ويدعونهم من دون الله، ويحتجّون بهذه الحجّة، فإنَّ أكثر ما يحتجون به أنَّ الآية فيمن دعا الأصنام التي هي أحجار لا تضر ولا تنفع، بخلاف من دعا الصالحين والأولياء والأتقياء.
وقد ردَّ الله على هذه الشبهة بعينها، وبيَّن أنها وقعت ممن قبلهم فقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
فأوضح الله في خطابه للمشركين أنّ الذين يدعوهم المشركون كانوا موحدين يسألون الله يرجون رحمته ويخافون عذابه، وزكاهم الله عز وجل في هذا، فهؤلاء المعبودون من دون الله أولياء لله مخلصون وليسوا أصنامًا من حجرٍ أو تمرٍ، ومع ذلك فقد جعل الله من دعاهم مشركًا كالذي يدعو الحجر والشجر.
والمشركون في حجتهم في اتخاذ الوسائط احتجوا بأنَّهم لا يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله، فتضمن هذا أمرين:
أن المدعوِّين ذوو جاهٍ عند الله ومكانةٍ ليست لغيرهم.
وأنَّ الداعين يحتاجون إلى ما يقربهم إلى الله ممن هو أقرب منهم إليهم.
وكذلك من يدعو الأولياء والصالحين من دون الله في المشركين المعاصرين، يحتج فيقول: هؤلاء أناس صالحون لا يرد الله لهم طلبًا، وأنا رجل كثير الذنوب لست بأهل لإجابة الدعوة، فدعوت هذا الوليَّ لتُجاب دعوتي بجاهه هو حين يطلب من الله أن يقضي حاجتي، فيتضمّن الأمرين بعينهما: أن المدعو ذو جاه عند الله، وأن الداعي يحتاج إلى هذا المدعو بسبب قربه من الله.