إنَّ من أسعد الفرص، وأشرف المنح، وأعظم النعم، أن يختارك الله أخي المسلم لمراغمة الطاغوت وسدنته وعُبَّادِه تجسيدًا واقعيًَّا لمقتضى لا إله إلا الله الذي بعثت بالدعوة إلى تحقيقه جميع الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم -، (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، وكان من أعظم من قام بذلك إمام الحنفاء، وخليل الرحمن، الذي أمر نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته باتباع ملته، التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الذي ناجز الطاغوت بيده ولسانه وأعلن - مع ضعف قوته البشرية، وقلة حيلته المادية - العداوة والبغضاء لطاغوت عصره، وعُبَّادِه في مصره، قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) ، إنها الملة التي يعتبر تجريدها أصلح المصالح ولو ترتب عليه تلف النفس، وزهوق الروح، والتحريق بالنار، إن اعتناقها وإعلانها ونصرها باللسان والسنان المصلحة التي تتضاءل دونها المصالح، وتخسر بتسويفها وتهميشها كل المكاسب، وإن وقفت بعض العقول دون فهم عواقب ذلك فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، فإياك إياك أخي أن تكون ممن يقولون سمعنا وهم لا يسمعون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، إن الفتنة الحسية والمعنوية لا تحلُّ إلا بمن تنصَّل من الاستجابة لله وللرسول وإن زعم أنه لا يريد إلا إحسانًا وتوفيقا، أو زعم خشية وقوع فتنةٍ بامتثال أمر الشارع الحكيم (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) .
وهي الملة التي تحتّم على حاملها الجهاد الحق في سبيلها معتصمًا بالمولى النصير (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) .
إنّ تجريد الملة وإعلانها يعتبر إقامة الدين الذي لا يجوز التفرُّق فيه، ويكبُر على المشركين دعوتهم إليه (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) .