فقد سلط الله هذه العوامل مجتمعة على هذه الأمة بسبب بعدها عن الله، وسكوتها على حكم الطاغوت، وتركها واجب الجهاد في سبيل الله، سبحان الله، والله ما ينطق عليه الصلاة والسلام عن الهوى (إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) .
وبينما الأمة في سباتها العميق، الأعداء ينهبونها ويركبونها، والحكام يسلبونها آدميتها، نبتت نابتة من شباب الإسلام وقالت: لا .... لا ... لا للذل و الاستعباد، مذ كم استعبدتمونا وقد خلقنا الله أحرارًا ..
لا ... لسرقة الأرض والمقدسات ... لا ... لنهب الثروات
غير أن (لاءهم) مختلفةٌ جدًا، هي لاءٌ من نوع آخر، لاءٌ مقرونة بالرصاص وراجمات الصواريخ، أطلقوها قوية مدوية في وجه الخونة بائعي الدين والأرض، فأنصت العالم لهم، وامتلأت قلوب العلوج خوفًا ورعبًا من صيحات التكبير، هرولوا مسرعين إلى الشاشات ليروا ويحللوا، فماذا رأوا ...
شباب صِبَاحُ الوجوه، حِدَاثُ الأسنان، ومع ذلك مرّغوا أنوف الروس في أفغانستان، وداسوا رقاب الصرب في البوسنة، وانتعلوا جلود الروس - مرة أخرى - في الشيشان، ثم لم يرضوا خصمًا لهم هذه الدولة البائسة المتعفنة روسيا، فذهبوا إلى الطاغوت الأكبر، ذهبوا إلى هبل العصر فنغزوه بعصيهم وهم يرددون (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) .
فهل سلم هؤلاء الشباب من عوامل التخذيل والتثبيط التي هي من سنن الله التي يمتحن بها المجددين؟
بالتأكيد لا، لأن بعضًا ممن يتسمون بأسمائهم ويلبسون ثيابهم أودع الله فيهم طبعًا خبيثًا هو الأنوثة والانبطاح ...
فتجدهم قد احمرت منهم الأنوف لما أصاب عمهم سام من ضربات جند الله وعادت لهم طبيعتهم الأنثوية التي تحب الانبطاح دائمًا تحت العم سام، فتحسروا - وقرأوا الفاتحة - على أرواح العلوج وكانوا بحق منافقي القرن الخامس عشر ...
أضف إلى هذا ثلة أخرى قد مر بنا ذكرها في الأعلى وهم قومٌ فرطحوا نعالهم وأطالوا وقوفهم بباب السلطان فبدأوا يتباكون على أرواح الصليبيين وعلى مأساتهم، ونسي هؤلاء الخونةُ: المسلمينَ الذين يذبحون منذ حوالي القرن، ونسي هؤلاء المعممون: أخواتهم اللواتي اغتصبهن أعداء الله، ونسي هؤلاء أطفال المسلمين الذين مات منهم في العراق - فقط - أثناء الحصار مليون طفل
أضف إلى هذا - من المثبطات والمخذلات - موقف بعض الدعاة والمصلحين الذين كانوا في يومٍ من الأيام صادعين بكلمة الحق وتحملوا في سبيل قولها سنوات السجن، غير أنه من الخطأ أن نعتقد أن كل من سُجِنَ خرج من السجن ذهبًا أحمر - كما فعل الإمام أحمد - فقد خرج بعض أصحابنا من السجن وقد أصلح الوالي ما كان به من شطط!!! فأصبح يشن الحملات تلو الحملات، ويرسل السهام تتلوها السهام إلى ظهور المجاهدين غدرًا ولؤما، وما علم المسكين أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وربما أن كثيرًا من أسود الملة المرابطين على الثغور لم يعلموا بما كان يفوه به وينشره من سفسطة وكلام فارغ ....
هذه العوامل المثبطة كلها هل ثنت همة المجاهدين؟ هل أصابتهم بالتقاعس والحيرة والخذلان؟ الجواب نأخذه من المصطفى عليه الصلاة و السلام، فقد صح عن نبينا عليه السلام قوله (مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ...
فاستمرت خيلهم في الصهيل، وعادت مدافعهم لتزأر في وجه الباطل وتحيل لَيْلَهُ سرادقات عزاء وأنّات ثكالى ..