الصفحة 389 من 1360

أنتم بهذا تنفون أن يكون الكتاب يغذي العداء لأعداء الله وإرهابهم وحصرتم أسباب ما حدث من تفجيرات على أنها ردود أفعال تجاه أفعال أمريكا .. إذًا أنتم بين خيارين أحلاهما مر: إما أنكم لا تؤمنون بأن القرآن والسنة يغذيان العداء والإرهاب لأعداء الله والمفاصلة معهم وهذا كذبٌ على الله وافتراء، أو أنكم تُقرون ولكنكم بسبب من عجزكم وتخاذلكم لا ترون هذه النصوص تنطبق على هذا الواقع فلا تعادون أمريكا حاليًا!!، أو أنكم ترونها تنطبق على هذا الواقع وعاديتموهم بإقامة الحملة العالمية للعدوان؟ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.

أنت أمير وأنا أمير!!

إن من الأمور التي - في نظري - جعلت المشايخ يحجمون عن تقحّم أبواب الجهاد في زماننا هذا حتى أصبح أكثرهم يردد: وأنتم لا ترون الجهاد إلا القتال [2] ، أقول: إن من أسباب ذلك أن جميع المشايخ يريدون أن يصبحوا منظرين للأمة من أبراجهم العاجية، يأمرون فلا يُترك الأمر حتى ينفذ، ويشيرون فتصبح مشورتهم منهج، ولم يتبرع أحد منهم بالنزول إلى الميدان وتربية الناس هناك، إن هذا النموذج قد أغرى مجموعة من المشايخ لاحتذائه، فما أجمل أن تكون معشوقًا من الملايين، وأن تكون محاضراتك تحوز على أكبر نسبة توزيع، وأن تتصدر الشاشات لإجراء المقابلات والتنظير، فعلًا كل هذا جميل ولكن ينغصه شيء واحد فقط: أن الله لن يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وحاسب الناس عليها.

ثم إنهم لن يجدوا في أرض الجهاد - التي خاضها أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم - لن يجدوا المكتب الوثير ولا السيارة الفارهة ولا الزوجة الحسناء ولا جهاز التكييف والتدفئة ولا كثرة المريدين والأتباع ..

نعم كل هذه لم يجدها المرابطون على الثغور، ولكن بحسب أشراف الأمة شهادتهم على القاعدين يوم الدين.

إن الإنسان إذا استغرق في عالم الأفكار والنظريات ولم يجرب الحياة فعلًا يحصل عنده استغراق في القديم يجعله - مع كثرة النحيب على هذا الواقع - يتفاجأ إذا رأى أن الأمة قد وضعت عنها الأُصُر والأغلال التي كانت عليها، فهو يؤمن تمام الإيمان بتلك النماذج المضيئة من العلماء المجاهدين العاملين كابن تيمية وابن القيم والمحدث الثقة أبي إسحاق الفزاري رحمهم الله، ولكن إذا ثاب إلى عالم الشهادة فهو يعجز تمامًا عن الإلتحاق بأولئك بسبب أن بعض الناس كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، نعم لا تبحثوا عن أسباب كثيرة، كمراعاة الواقع وعدم كون هذا الزمان زمان جهاد، أو كون الأمة في حاجة إليهم في مواقعهم هذه [3] فما ثم - في اعتقادي - إلا هذا السبب، وهم في نظري عَجَزَةٌ قاعدون.

إنّ من المشاكل في طريقة تفكيرهم أنهم حصروا واجبهم تجاه الأمة في الدعوة والتعليم - وحتى هذه الأخيرة لم يوفوها حقها ووقعوا في تناقض مضحك بشأنها وذلك أن الطاغوت في جزيرة العرب يحارب دعوتهم وهم يتقربون إليه، فمالحل؟ - وهم بهذا لم يفقهوا دور العالم في أمته.

لقد كانت الأمة على حياةِ شيخِ الإسلام رحمه الله محتاجةً أشدّ الحاجة إلى من يرد على علماء الكلام الذين استفحل خطرهم، وكان شيخ الإسلام قائمًا على هذا الثغر خير قيام، غيرَ أنه عندما دَهَمَ التترُ أرضَ المسلمين حوّل ثغره، وأفتى فتاواه الشهيرة في دفع الصائل على الدين والعرض، فليتهم اتخذوه قدوةً رحمه الله وهداهم.

أسأل الله أن يهدي ضالَّ المسلمين، وأن يوفق الأمة للإفاقة من الغمّة، وأن ينزع من قلوبنا حُبَّ الدنيا وكراهية الموت، وأن يدلنا على الخير ويوفقنا لسلوكه، وأن يبصرنا بالشر ويوفقنا لاجتنابه، وأن يكفينا شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت