هذا الناقض هو رابع النواقض التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهو ناقض اعتقادي، بمعنى أنَّ الكفر فيه يكون بالاعتقاد، وإن كان هذا الاعتقاد قد يعرف بالقول وبالفعل، إلاَّ أنَّ المكفِّر فيه هو الاعتقاد الكفري.
وتتمة كلام الشيخ في هذا الناقض: "أو حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه صلى الله عليه وسلم".
ولا بد من التنبه إلى مسألة: وهي أن هدي النبي المراد هو هديه التشريعي، أما ما كان من أمور الدنيا التي لا تشريع فيها، فقد يكون الهدي الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مناسبًا لزمانه دون الأزمان التي بعده، أو لمكانه دون الأمكنة المختلفة عنه.
أما هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو من وحي الله عز وجل وشرعه كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، فمن اعتقد أن غيره أكمل منه، فقد اعتقد أنَّ غير شرع الله أكمل من شرعه، وأن غير حكم الله أكمل من حكمه، وهذا الناقض يناقض شهادة الإسلام بشقيها: التوحيد والرسالة.
فأما التوحيد فلأنَّه طعن في الله عز وجل وفي شرعه وكمال دينه، وهذا طعن في الربوبية لأن التشريع من خصائص الربوبية، فهو من نسبة النقص إلى الله في شرعه، كما لو نسب النقص إلى الله عز وجل في خلقه، أو نسب النقص إليه عزَّ وجلَّ في قدرته ونحو ذلك.
وأما الرسالة فلأنه طعن في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكمالها وصحتها، فإنَّ الذي يعتقد غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، إمَّا أن يعتقد أنه هدي من عند الله ولكنَّه ناقص، وإمَّا أن يعتقد أنه من عند غير الله، وعليه فإما أن تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ناقصة باعتبار أنها جاءت بالنقص، وإما أن تكون باطلة باعتبار أنها من عند غير الله.
وكل ما تقدم من الكفر الأكبر المخرج من الملة، وقد قال الله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ؟.
وأما من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه ولكنَّه عنى بذلك الرسالات السابقة، فظنَّ أنَّ ما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أكمل ولو من بعض الوجوه مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا يبيّن له الدليل، من مثل قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ، وقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) والكمال ما لا يقبل الزيادة.
فإن أصرَّ بعد أن عُرِّف الدليل ووُضِّحَ له كَفَرَ وخَرَجَ من الملة، بتكذيبه لخبر الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الناقض يشمل من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه على جهة العموم، كما يشمل من اعتقد أن غير هدي النبي في مسألةٍ من المسائل أو حالٍ من الأحوال أكمل من هديه، كمن اعتقد أن هدي الغرب الكافر في مسألةٍ أكمل مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اعتقد أن ما ينتهي إليه عقله وهواه في أمر من الأمور أكمل مما يجده في هدي النبي صلى الله عليه وسلم.