وكذلك أيضًا في بقية هذا الناقض: أو حكم غيره أحسن من حكمه، فمن اعتقد أن تحكيم قانونٍ من القوانين الوضعية، أو ملة من الملل المنسوخة أحسن من تحكيم شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقد خرج من الملة، ومن اعتقد أن حكم القانون في مسألةٍ من المسائل كمسائل الحدود والقطع والرجم وغيرها أكمل من حكم الله ورسوله فقد كفر.
وتفضيل غير حكم الله على حكم الله يكون على ثلاث حالات:
الأولى: أن يعتقد أن غير حكم الله أكمل من حكمه على العموم.
الثانية: أن يعتقد أن غير حكم الله في مسألةٍ معينةٍ أكمل من حكمه.
الثالثة: أن يعتقد أن حكم الله أكمل من حكم غيره في كل مسألة، ولكن ليس في كل العصور، بل في بعض العصور يكون حكم غير الله أكمل من حكمه سواء في مسألةٍ معينة أو في جميع الشريعة.
وهذه الحالات الثلاث كلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة الناقض لعرى التوحيد، وإنما هي ألوانٌ للكفرِ، وكلها ترجع إلى نسبة النقص في شرع الله وحكمه: إما النقص في بعض التشريعات، وإما الجمود في بعض الأزمان، وعدم المناسبة للعصر الحديث، وكأن الله جل وعلا جهل العصر الحديث أو عزب عن علمه منه مثقال ذرةٍ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ومن صور تفضيل غير حكم الله على حكمه: ما يعتقده بعض من زاغ قلبه وعميت بصيرته، أن تشريعات القانون الفرنسي في نظام العمل والعمَّال المحكوم به في بلاد الحرمين، أكمل من شرع الله عز وجل، لأنها تحفظ حقوق العامل، وتحميه من ظلم أرباب العمل ونحو ذلك، مما لو كان خيرًا وحقًّا وكمالًا وعدلًا، لما خلا منه شرع الله عز وجل، وإنما هو زبالة أفكار الصليبيين، فعجبًا لمن يقدمها على شرع الله العزيز الحكيم!
ومن صور تفضيل غير حكم الله على حكمه، من يعلم أن حكم الله في الحكام المرتدين وجوب منابذتهم بالسيف عند القدرة، وقتالهم حتى يكون الدين كله لله، ثم يعتقد أنَّ غير القتال الذي هو حكم الله أنفع من القتال، وأنَّ القتال فيه مفاسد أرجح من مصلحته، مع علمه أنَّ حكم الله هو القتال.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه فرحان بن مشهور الرويلي
من نفائس الشيخ عبد الله عزام رحمه الله
النفوس التي تعد لبناء الأمم المسلمة ومجتمعاتها، ولقيادة البشرية وتوجيهها لا بد أن تبنى على محك الشدائد، وتصقل في أتون المحن، وتنضج على حرارة الفتنة وأهوال الطريق.
فالذين يفكرون في تربية الأجيال وفي قيادتها عليهم أن يروا ناموس الله في الدعوات، وقانونه في انتصار المبادئ، قانونه: أن أصحاب المبادئ لا بد لهم من المحن والفتن.
(الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت: 2)
ليعلموا أن الترف والتقلب بين أعطاف النعيم ينخر في كيان النفس، كما ينخر السوس في الخشب، وكلما كانت النفس تعيش على التقشف والزهد، فإنها تستطيع مواجهة الأحداث واحتمال البلاء إذا أناخ عليها الزمان بكلكله .. ويكفيك مثالا الشعب الأفغاني الذي واجه أحداثًا ومصائب ما رأى الزمان في أحقابه المتطاولة لها نظيرا، ومع ذلك فهو صابرٌ محتسبٌ مصممٌ على مواصلة المسيرة.
[عبر وبصائر للجهاد في العصر الحاضر / ص4]