الصفحة 508 من 1360

فلما اقترب من مكة وفزعت قريشٌ لنزوله أحبَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يبعَثَ إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بنَ الخطَّاب لِيبعثه إليهم، فقال: يا رسولَ اللهِ؛ ليس لي بمكة أحدٌ من بني كعب يغضَبُ لي إن أوذيتُ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بن عفان، فإن عشيرَتَه بها، وإنه مبلِّغٌ ما أردتَ، فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عثمانَ بنَ عفان، فأرسله إلى قريش، وقال: "أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهُم إلى الإسلام"، وأمره أن يأتيَ رجالًا بمكة مؤمنين، ونساءً مؤمناتٍ، فيدخُلَ عليهم، ويبشِّرَهم بالفتح، ويخبِرَهم أن الله عزَّ وجلَّ مظهِرٌ دينَه بمكة، حتى لا يُسْتَخْفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمرَّ على قريش، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أدعوكُم إلى الله وإلى الإسلام، وأُخبِركُم أنَّا لم نأتِ لِقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقُولُ، فانفُذْ لِحاجتك، وقام إليه أبانُ بنُ سعيد بن العاص، فرحَّب به، وأسرج فرسَه، فحمل عُثمانَ على الفرس، وأجاره، وأردفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يَرْجِعَ عثمانُ: خَلَص عثمان قبلنا إلى البيت وطافَ به، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَظنُّه طَافَ بالبَيْتِ ونَحنُ مَحْصُورُونَ"، فقالُوا: وما يمنعُه يا رسول اللهِ وقد خَلَصَ؟ قال: "ذَاكَ ظَنِّي به، ألاَّ يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى نَطُوفَ مَعَهُ" واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجلٌ من أحد الفريقين رجلًا مِن الفريق الآخر، وكانت معركة، وترامَوْا بالنَّبلِ والحِجارة، وصاح الفريقانِ كلاهما، وارتهن كُلُّ واحدٍ مِن الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن سفيره عثمانَ قد قُتِلَ، فقال: "لا نبرح حتى نناجز القوم" وعزم على القتال، ودعا إلى البَيْعة، فثار المسلمون إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو تحتَ الشجرة، فبايعُوه على ألاَّ يَفِرُّوا - وفي رواية على الموت [1] -، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه، وقال: "هذِهِ عَنْ عُثْمَان".

وكان عمر آخِذًا بِيدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِلبَيْعةِ تحتَ الشجرة، فبايعه المسلمون كُلُّهُم إلا الجدَّ بْنَ قَيْسٍ.

وكانَ مَعْقِلُ بنُ يسار آخذًا بِغصنها يرفَعهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوَّلَ من بايعه أبو سِنان الأسَدِي.

وبايعه سلمةُ بنُ الأكوع ثلاثَ مرات، في أول الناس، وأوسطِهم، وآخِرِهم.

نعم من أجل رجل واحد ثار المسلمون وتبايعوا على الموت أو على عدم الفرار وأنزل الله فيهم آيات تُتلى إلى يومنا هذا وسُميت تلك البيعة ببيعة الرضوان وبشّرهم الله بالجنة وكانوا خير أهل الأرض كما في صحيح البخاري "أنتم اليوم خير أهل الأرض"، وها نحن اليوم في جزيرة العرب يتجبر طواغيت آل سعود ويتجرأ جند الطاغوت أعوان الصليبيين على قتل القائد المجاهد خالد حاج وأخيه إبراهيم المزيني ووالله لن تذهب دماؤهم هدرًا وسنأخذ بثأرهم وإني على يقينٍ بأن المجاهدين قد عزموا على مناجزة القوم وعلى عدم الفرار بل وعلى الموت عسى الله أن يرضى عنهم والأيام حُبلى فدماء المجاهدين (خالد حاج - يوسف العييري - تركي الدندني - أحمد الدخيل وغيرهم) لن تذهب بالمجان بل ستبقى وقودًا للمعارك، وزادًا للطريق، ونورًا للمجاهدين، ونارًا على المرتدين والصليبيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت