الصفحة 509 من 1360

يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُبايعُ أصحَابَه في الحربِ على ألا يَفِرُّوا، وربَّما بايعهم على الموتِ، وبايعهم على الجهادِ كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهِجرةِ قبل الفتح، وبايَعَهُم على التوحيد، والتزامِ طاعةِ الله ورسوله، وبايع نفرًا من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا".

والبيعة على الموت من الأمور المشروعة كما مرَّ وقد ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (7/ 11 - 12) قصة عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك فقال: "قال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغَسَّاني عن أبيه. قال: قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايع عَمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قُدَّام فسطاط خالد حتى أُثبتوا جميعا جراحا، وقُتِل منهم خَلْقٌ منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم جميعا".

وقد أوردت هذه القصة لتأكيد مشروعية البيعة على الموت فقد عُقدت هذه البيعة على مرأى ومسمع أكثر من ألفٍ من الصحابة بينهم مائة من أهل بدر وقائد الجيش يومئذ خالد بن الوليد ولم يُنكر أحدٌ منهم على عكرمة بل أقروه على فعله يقول ابن كثير رحمه الله: "قال سيف بن عمر بإسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع - جيش المسلمين باليرموك - ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر".

يقول سيد قطب رحمه الله: "هذا الدرس - بيعة الرضوان - كله حديث عن المؤمنين, وحديث مع المؤمنين؛ مع تلك المجموعة الفريدة السعيدة التي بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة والله حاضر البيعة - بعلمه - وشاهدها وموثقها, ويده فوق أيديهم فيها؛ تلك المجموعة التي سمعت الله تعالى يقول عنها لرسوله صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) .. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: "أنتم اليوم خير أهل الأرض" .... وإنني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن أستشرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين. أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون; وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم, عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود ... وأحاول أن أستشعر بالذات شيئًا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بآذانهم, أنهم هم, بأشخاصهم وأعيانهم, يقول الله عنهم: لقد رضي عنهم، ويحدد المكان الذي كانوا فيه, والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضى: (إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) .. يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق, على لسان ربه العظيم الجليل ..

يالله! كيف تلقوا - أولئك السعداء - تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي ? التبليغ الذي يشير إلى كل أحد, في ذات نفسه, ويقول له: أنتَ أنت بذاتك يبلغك الله لقد رضي عنك، وأنت تبايع تحت الشجرة! وعلم ما في نفسك فأنزل السكينة عليك!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت