أبْصَرنا أشْعَرَ بنا أهل مكة وقد انفضوا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا قال: فخرجت إليه فطعنته طعنةً تحت الثدي بخنجري فسقط وصاح فاجتمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه وقلت لصاحبي: لا تتحرك فأقبلوا حتى أتوه وقالوا: من قتلك؟ قال عمرو بن أمية الضمري فقال أبو سفيان: قد علمنا أنه لم يأت لخير ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا فإنه كان بآخر رمق فمات وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم فحملوه فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا إلى التنعيم فقال صاحبي: يا عمرو بن أمية هل لك في خبيب بن عدي ننزله فقلت له: أين هو قال: هو ذاك مصلوب حوله الحرس فقلت: أمهلني وتنح عني فان خشيت شيئا فانح إلى بعيرك فاقعد عليه فأتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ودعني فإني عالم بالمدينة [1] ثم استدرت عليه حتى وجدته فحملته على ظهري فما مشيت به إلا عشرين ذراعًا حتى استيقظوا فخرجوا في أثري فطرحت الخشبة فما أنسى وجيبها (يعني صوتها) ثم أهلت عليه التراب برجلي فأخذت طريق الصفراء فأعيوا ورجعوا وكنت لا أدري مع بقاء نفسي فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وأقبلت حتى أشرفت على الغليل غليل ضنجنان فدخلت في غار معي قوسي وأسهمي وخنجري فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بني الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما ومعزى فدخل الغار وقال: من الرجل فقلت: رجل من بني بكر فقال: وأنا من بني بكر ثم اتكأ ورفع عقيرته يتغنى ويقول:
فلست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا
فقلت في نفسي: والله أني لأرجو أن أقتلك فلما نام قمت إليه فقتلته شر قتلة قتلها أحد قط ثم خرجت حتى هبطت فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان الأخبار فقلت: استأسر فأبى أحدهما فرميته فقتلته فلما رأى ذلك الآخر استأسر (أي استسلم) فشددته وثاقا ثم أقبلت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدمت المدينة أتى صبيان الأنصار وهم يلعبون وسمعوا أشياخهم يقولون: هذا عمرو فاشتد الصبيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وأتيته بالرجل قد ربطت إبهامه بوتر قوسي فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ثم دعا لي بخير وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام رواه البيهقي وقد تقدم أن عمرا لما أهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا فلعله دفن مكان سقوطه والله أعلم وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على ابن إسحاق وساقها بنحو من سياق الواقدي لها لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية جبار بن صخر فالله أعلم ولله الحمد).
[1] في هذا درسٌ مهم لمن يقوم بالعمليات الجهادية أن يكون عالمًا بالمدينة التي تتم فيها العملية.
إضاءة
[إنَّ مجرد الإعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقطٍ للقتال، فالقتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب]
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله