الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإن من نواقض الإسلام التي كثر الوقوع فيها في قديم العصور وحديثها: تولي الكافرين ومظاهرتهم على المسلمين، والعبد إذا وحَّد الله وترك الشركَ في عبادته، ولم يوال المؤمنين ويُعادِ الكافرين فليس بمسلم، إذ قيام الدين على توحيد الله عز وجل والكفر بما يُعبد من دونه، وموالاة أولياء الله ومُعاداةِ أعدائِه.
قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) .
وقد نزلت هذه الآيات في عبد الله بن أبي بن سلول وموالاته لأوليائه من اليهود، ولم يعرف أكثر الصحابة نفاقه إلا يومئذ وفي هذا قال الله سبحانه: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) ، والموالاة للكافرين تكون كفرًا بالقلب وبالعمل وبالاعتقاد ولا يشترط أن يقارنها جميعها الاعتقاد، بل مذهب أهل السنة أن الإيمان والخروج منه يكون بقول مجرد أو عمل مجرد أو اعتقادٍ مجرد.
وفي هذه الآية خاصة نص صريح في قوله: (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) فدافعهم ليس المحبة للكفر وأهله، بل ولا الرغبة في دنيا ومال، وإنما هو الخوف واتقاء الدوائر.
فإن قيل يعكر على الاستدلال بالآية أنهم قالوه كاذبين في ذلك فلا يُلحق بهم من يعتذر بذلك وهو صادق فالجواب من وجوه:
الأول: أنهم كانوا اتخذوا أولياءهم من اليهود أولياء في الجاهلية، ولم يكن لذلك سبب إلا خوف الدوائر، وقلوبهم لم تشبع من التوحيد وحسن الظن بالله ما يجعلها تستغني عن ولايتها الجاهلية فهي على خوفها وهلعها، ومقتضى هذا أنهم صادقون في قولهم نخشى أن تصيبنا دائرة.
الثاني: أنَّ الله عز وجل لم يُكذِّبهم في هذا ولم يرده عليهم فهو دليل على صحته، مع وجود غيره من النواقض في قلوبهم كما قال: (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) .
الثالث: أن الكفر إنَّما يُحكم به في الدنيا على ما يُظهره الناس لا على ما يُسرّونه، والمؤمنون حكموا بكفرهم وقت ذلك كما في الآية: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) ، فدلَّ على أنَّ ما ظهر منهم وحده موجبٍ مستقلٌّ للحكم بكفرهم، والذي ظهر منهم إنما هو الموالاة العملية، ولا يمكن الشق عن قلوبهم ومعرفة أفعلوا ذلك عن محبة للكفر وأهله أم لا؟
الرابع: أن مقتضى هذا القول أنَّ عذر المنافقين كان عذرًا شرعيًّا صحيحًا، وأنَّ الخطأ لم يكن في اعتذارهم به وإنَّما بما في قلوبهم، مع أنَّ الله سبحانه ذكر عنهم هذا العذر بعينه على جهة الذم ولا يمكن أن يذمّ مع كونه عذرًا شرعيًّا.