فإن قيل: لا يلزم أن يكون العذر عذرًا شرعيًّا ولكنه معصية وليس كفرًا، فالجواب: أنَّهم ارتكبوا كفرًا بنص الآية، فإن لم يكن العذر شرعيًّا لزمهم حكم الكفر ولا ثالث بين الحالين.
والآية من أصرح النصوص في تكفير من تولى الكافرين بعمله أو بقوله وإن لم يكن عن محبة لدينهم، ولا يمكن الجواب عنها إلا بتحريف الكلم عن مواضعه ولي اللسان بالكتاب، كما يفعل ذلك اليوم من لا خلاق لهم.
والدائرة التي كانوا يخشونها قيل هي الفقر، وقيل الحرب، وكلاهما يعتذر به المرتدون اليوم، فإمَّا أن يتذرعوا بخوف الفقر وانقطاع النفط والرواتب كما قال ذلك بعض من يلبس ثياب العلم وينطق باسم طواغيت الجزيرة ويُجادل عنهم في الحياة الدنيا، وإمَّا أن يتذرعوا بالخوف من العدو كالنظام العراقي البعثي السابق ونحوه، وكلاهما سيرٌ منهم على سنّة أسلافهم من المنافقين.
وللتولي صور عديدة وأنواع مختلفة، فمنها الوقوف مع الكافرين على المؤمنين وأعظم ذلك ما يكون في الحرب والقتال، وقد قال الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ، فعد الله وعدهم لإخوانهم الكفار بالنصرة كفرًا وسمى من فعله منافقين، فكيف بمن خرج حقيقة وسار تحت لوائهم وقاتل في صفهم؟ هذا وهم كاذبون في قولهم ووعدهم فليس وعدهم لهم بالنصرة إلا كلماتٍ شهد الله بكذبها ولا وجود لها في الواقع، بل (لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) ، فكيف بمن كان صادقًا بقوله وفعله في نصرة الكافرين على المسلمين ومظاهرة أمريكا على الشعوب المسلمة، والجماعات المجاهدة في سبيل الله؟
ومن توليهم التصريح بإنكار عداوتهم وبغضهم، وجحود هذا الأصل الشرعي جحودًا كليًّا، فضلًا عن الزيادة في ذلك بإعلان المحبة والاتفاق والاتحاد ووحدة المصير والصداقة الدائمة والمودة الخالصة.
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الناقض ثامن النواقض في رسالته المشهورة، واقتصر على ذكر المظاهرة وهي أصل المودة وقطب رحاها الذي تدور أكثر صورها عليه، والشيخ في رسالته كما أسلفنا لم يقصد إلى الاستيعاب في النواقض بل اقتصر على ما تكثر الحاجة إليه والوقوع فيه في وقته.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه فرحان بن مشهور الرويلي