الصفحة 593 من 1360

ولكنهم يبتكرون في كل مرة خطة جديدة أغبى من السابقة وأكثر تناقضًا، وكأن الفضيحة هي قدرهم المحتوم، فمرة يقولون: إن الأدلة الشرعية التي مع المجاهدين لا يمكن تنزيلها على الواقع - وكأن القرآن نزل ليظل مخطوطًا تزين به الجدران -، ليكونوا بذلك مرجئةً ولكن من نوعٍ آخر، أرجؤوا تنزيل الدليل على الواقع وما يعقبه من تبعات إلى أجل غير مسمى، ومرة يقولون لنا ما المانع من ترك العمل بالدليل في بعض "الحالات الخاصة"، ولكن المشكلة أنهم يجعلون كل مصائب الأمة الكبيرة هذه من تلك الحالات الخاصة التي لا يُعمَلُ فيها الدليلُ، والعجب العجاب أنهم يستدلون بصحة رأيهم هنا ببعض القصص التاريخية التي وقعت للصحابة أو للسلف [1] ، وبغض النظر عن ملابسات كل قصة استدلوا بها وهل تكون حالة خاصة لا ينطبق الدليل العام عليها أولا؟! أو هل تكون مستثناة بنص آخر؟! بل ربما كانت القصة أصلا ضعيفة؛ المهم أنهم استدلوا بآثار تاريخية، وتركوا الكتاب والسنة بدعوى أن الدليل لا يصلح استخدامه دائمًا، فعجبًا لهم كيف صَلُحَ دليل التاريخ ولم يصلح دليل الكتاب والسنة؟!، فهل يمكن جعلهم بعد هذا أصحابَ منهج سلفيٍّ صحيح؟! أو هل هذه هي صفات أهل السنة والجماعة الذين يُقدمون النص الشرع على كل شيء؟!.

ونعود مرة أخرى لأسواق المتاجرة بالمبادئ المنتشرة في هذه الأوساط الثقافية، حيث يخرج علينا أحد هذه "الظواهر الصوتية" [2] ليمدح الجهاد في الشيشان وأفغانستان والبوسنة وكيف أثمر هذا شبابًا "يُفتَخرُ بهم" يجاهدون الآن في بغداد، والأنبار فهم أبطال أشاوس "برغم أنف العلمانيين والصليبيين" ضحوا بالغالي والنفيس، ولكنه في ذات الوقت يكيل أنواعًا من السباب والشتائم لهؤلاء المجاهدين الأبطال أو كما يسميهم "القلة القليلة"، لما كانوا يقومون بعملياتهم في بلاد المسلمين كباكستان والجزيرة وغيرها وكأن العراق والشيشان وفلسطين ليست من بلاد المسلمين، رغم أنه في نفس المقال يدعي كفره بسايكس بيكو التي قسمت الأمة إلى أوصال، واعتقاده العميق أن الأمة كلٌ لا يتجزأ.

إنها محاولة منه ومن أمثاله لاستثمار جراح الأمة بدون حمل واجب التضحية، فالذي جعل الجهاد مشروعًا وواجبًا في الشيشان وأفغانستان والعراق وفلسطين هو ذاته الذي يجعل الجهاد مشروعًا في جزيرة العرب الكويت وقطر وبلاد الحرمين، إن لم تكن تدري أن الفلوجة تقصفها طائرات الإف 16 التي تنطلق من عندنا وعند جيراننا فلتأت هذه الأيام إلى المنطقة الشرقية ولتسكن في فندق الظهران لترى بعينك وتسمع بأذنك الطائرات التي تنطلق من هنا من تلك القاعدة الجوية في الظهران، ولتزداد يقينًا أن الجهاد في الظهران، والخبر، والكويت، والخرج، والعديد، لا يقل وجوبًا عن الجهاد في الفلوجة وتكريت، وبغداد، والرمادي، بل إن ضرب الأمريكان في قواعدهم الخلفية التي تُؤمِّن القوات الأمريكية الغازية يعد عسكريًا واستراتيجيًا، أمرًا لازمًا ومتحتمًا لتمام نجاح العمليات داخل العمق العراقي، ومن الناحية الشرعية فلا نقاش ولا جدل أصلًا في وجوب قتالهم في كل مكان نجدهم فيه لأنهم محاربون، وإن كنت ترفض هذا الرأي أي أنهم محاربون والمحارب حلال الدم والمال والعرض في كل مكان فأنت بالضرورة ترفض كون قتالهم في العراق وأفغانستان جهادًا مشروعًا، مما يلزمك إعادة النظر في موقفك المعلن تجاه الجهاد هناك، ولكن يبدو أن المتاجرين لا يفهمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت