فهرس الكتاب
لقد ذكرني هذا الموقف بقصة اليهود مع عبدالله بن سلام حين سألهم الرسول صلى الله عليه عنه فقالوا هو خيرنا وابن خيرنا، ولما علموا أنه أسلم قالوا بل هو شرنا وابن شرنا، ولكن يبدو أن اليهود قد يجدون مبررًا أفضل في نظرهم من مبرر هذا المتفلسف، فعبدالله رضي الله عنه غير دينه وانتقل من اليهودية إلى الإسلام، أما هؤلاء فكل ما ينقمونه على المجاهدين أنهم أفسدوا مشروع التحالف بينهم وبين طغاة آل سلول، هذا التحالف الذي يتيح لهم الزئير من داخل الوطن - بشرط الرضى بالكفر البواح الممزوج بالاحتلال الأمريكي أو على الأقل السكوت عنه - والذي يدَّعون أنهم بهذه الطريقة يحققون مكاسبهم الدعوية، والوطنية، أما نحن فنعتبر أن مجرد إفساد هذا التحالف أو التقليل من خطره على الأمة من أعظم ثمار إعلان الجهاد في جزيرة العرب. فمعلوم أن الطواغيت شعروا أن المؤسسة الدينية الرسمية هرئت، وسقطت، ولم تعد قادرة على احتواء تذمر الأمة وحماس الشباب الراغبين في اجتثاث المنكر الأكبر، فكان لا بد من نعال أخرى تُستَبدل بها النعال العتيقة، وبالطبع لن يجد الطاغوت أفضل من عباد المصالح هؤلاء الذي كان لهم في يوم من الأيام وزن عند الشباب، مما يعني أن سماع الشباب سيكون بنسبة أكبر، وهنا يكمن الخطر من هذا التحالف المشئوم والذي بحمد الله سرعان ما انكشف لكل ذي بصيرة من العامة قبل الخاصة، لذا فحينما أقول أن من أعظم ثمار الجهاد هو إفساد، وفضح هذا التحالف أو التقليل من خطره فأنا أعني ذلك؛ أليست كل وسيلة يستخدمها الطاغوت لتكريس احتلال الغرب للبلد ولتسويغ عمالته يجب إفشالها وفضحها، وكلما ازداد خطرها ازداد الأمر وجوبًا، وأي بلية أعظم من أن يُتخذ الدين مطية لهؤلاء الأوغاد، وأن يجعل الكفر البواح أمرًا لازمًا شرعًا لا يمكننا تغييره، وأن يسكت عن هذه المنكرات العظيمة باسم الحكمة وباسم الدين.
في لُجَّة هذه الأحداث التي تحرك مشاعر الأمة، وبعيدًا عن أسواق المتاجرة بالمبادئ ارتسم في ذهني صورة ذلك الشاب "الطيب" المسكين المتحرق على مآسي الأمة، ذاهبًا إلى شيخه الذي اعتقد أنه أعلم أهل الأرض وأصدقهم وأدرى الناس بمصالح الأمة خاصة بعد أن سمع محاضرته الأخيرة والتي مجد فيها المجاهدين والجهاد، أو قرأ مقاله في الإنترنت التي مدح فيها أبطال الفلوجة وفرسان الرمادي، ثم استفتاه بكل بساطة "أريد أن اذهب للعراق" أو "أريد أن أشارك عمليًا وأساهم في حل مأساة العراق" أو أفغانستان أو حتى الشيشان، إلى غيرها من الأسئلة التي تزخر بها خزانات الفتاوى في مواقع هؤلاء، لتأتيك الإجابة بكل برود: إن المجاهدين هناك لا يحتاجون إلى رجال بل هم بحاجة إلى الدعاء، ابق هنا فأنت على ثغر، فيفرح الشاب ويظن أن الثغر هو قتال الأمريكان على أرض الجزيرة ليأتي الجواب مستعيذًا بالله من هذه الفتنة، ومحذرًا له من الوقوع بها، أو تأييدها، أو حتى التعاطف معها، ثم يتبعه قائلًا اجلس واطلب العلم وحصن نفسك، وتزوج، وواصل دراستك، والجهاد (بعدين) ، وفي حالة إصرار هذا المسكين على الجهاد سيصارحه الشيخ قائلًا إن الجبهات هناك يسيطر عليها الفكر "التكفيري" ويقودها الغلاة من تنظيم القاعدة، وهؤلاء لا ينبغي الدخول معهم.