الصفحة 596 من 1360

بقلم الشيخ: محمد بن أحمد السالم

أمة الإسلام .. أمّة خصها الله بخصائص كثيرة وعديدة وأهمها أنها خير أمّةٍ أخرجت للناس، ومن أهم سمات هذه الأمة أنها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ..

ولذلك فإن الواجب الملقى على عاتق كلّ مسلمٍ تجاه أمته واجب عظيم لا سيما إذا كان الزمان مثل زماننا اليوم الذين تعاني فيه الأمة من تسلط الأعداء وتكالب أمم الكفر عليها ..

وقد دأب أعداء الدين والملّة على وضع الحواجز والعوائق التي تقلل من تماسك المجتمع المسلم وتعاضده وما زالوا حتى اليوم يبحثون ويدرسون السبل الكفيلة بتخدير الأمة وتفكيكها بعد أن عجزوا عن استئصالها ومحوها من على البسيطة وما هم بقادرين .. !!

فمن وضعٍ للحدود الجغرافية الدولية والتي مزقت الأمة وفرقت ولاءها إلى عصبية ووطنية مقيتةٍ لا تمت إلى الإسلام بصلة .. إلى إشغال للأمة بقضايا هامشية بل تافهة من رياضة وفن وغيرها من الأمور المحرمة والتي تلهي الناس عن الأمر الذي خلقوا له ..

ومن الأمور التي يحرص الأعداء أن يغرسوها في الأمة ويجعلوها تتجه إليه هو ربط أمة الإسلام بأمم الكفر عبر رابطة الدول العربية أو الأفريقية أو الأوربية أو الأمم المتحدة أو دول بحر قزوين أو دول مجلس التعاون أو غيرها من الروابط التي تجعل رابطة الإسلام بعيدةً عن الأثر السياسي الفعّال .. والتي تجعل التحاكم حين الخصومات أو الحروب عبر محكمة العدل الدولية الطاغوتية أو مجلس الأمن الكافر!!

ومن السياسات المتبعة والتي أعطيت فيها حكومات الدول الإسلامية الضوء الأخضر - والتي تستهدف امتصاص الغضب والتفاعل العملي مع قضايا الأمة -؛ سياسة المظاهرات العارمة التي تغص بها الشوارع الإسلامية بعد كل حدثٍ جلل، فما إن يحدث حدث يستدعي التفاعل العملي إلا وترى ألوفًا مؤلفة تخرج في مسيرات حاشدة مبينة رفضها للعدوان ورغبتها في الانتقام من المعتدي إلا أن ذلك يتلاشى من ساعة وصول كل واحدٍ منهم إلى بيته قافلًا من تلك المسيرة أو تلك المظاهرة ..

ولنأخذ على ذلك مثالًا واحدًا وهو مقتل الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، فعندما اغتيل عمّت المظاهرات العالم الإسلامي والتي شارك فيها مئات الألوف من المسلمين بمشاعر صادقة وقلوب متقطعة ونفوس للثأر طالبة، وإذا تصفحت الإنترنت رأيت المراثي الشعرية والمقالات الحماسية، والمقطوعات النثرية، ورأيت الخطب التي ألقيت والمحاضرات التي سجلت تملأ المواقع الإسلامية، وترى وتسمع من يتهدد ويزمجر ويتاجر بقضيته عبر الإذاعات والفضائيات، ولكن كلَّ هذا لا يغني شيئًا إذا توقف عند هذا الأمر، لأننا أبصرنا كيف أن كل من تكلّم وكلّ من تعاطف وكلَّ من زمجر قد رجع إلى حياته اليومية وكأن شيئًا لم يكن ولم يتغير في حياة الناس سوى أنهم كانوا يقولون أحمد ياسين حفظه الله والآن أصبحوا يقولون: رحمه الله.

نعم بكل هذه البساطة انتهت قضية الشيخ أحمد ياسين في قلوب الناس ولم يبق له إلا الذكر الحسن ..

ونستثني من هذا كلّه موقف المجاهدين سواء في أرض فلسطين أو غيرها ممن تعهدوا بالرد أو قاموا به، فهؤلاء ردود أفعالهم وتفاعلهم عملي ملموس أثره على المسلمين وعلى المتعدين .. وهو عين الموقف الصحيح تجاه كلِّ قضايا الأمة ..

إنَّ الخطب الحماسية والمظاهرات السياسية والمسيرات السلمية لا ترجع الحقوق الضائعة، ولا توقف الظالم عن ظلمه ولا تردع الباغي عن بغيه، وليست هي لوحدها الحل الشرعي الذي أمرنا الله به وفعله رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت