فهرس الكتاب
إن التفاعل الحقيقي مع قضايا الأمة هو مختصرٌ في قول العزيز الحكيم سبحانه وتعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) والتفاعل الحقيقي هو عين ما قاله محمد صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: "وإذا استنفرتم فانفروا".
نعم هذه باختصار الطريقة الشرعية للتفاعل مع قضايا المسلمين وهي مقتضى العقل والحكمة فالغريق الذي يستصرخ ويطلب الغوث ليس الحل تجاهه رفع الصوت بالبكاء والعويل فلن يغنيه ذلك شيء، ولا استقبال القبلة ورفع اليدين بالدعاء كلا فالحكم لو كان الإنسان قد دخل في الصلاة أن يقطعها ويذهب مباشرة لنجدة الغريق وإنقاذه من الغرق ..
صحيحٌ أن البكاء والتأثر لمصاب المسلمين هو دلالة واضحة على الشعور بالجسد الواحد إلا أنه لا يكفي ..
وصحيحٌ أن الدعاء وطلب الله تعالى وسؤاله كشف الكرب مطلبٌ شرعي ووسيلة مشروعة عند كلِّ مصيبة إلا أنها ليست لوحدها الحل والواجب المطلوب كلا ..
فالواجب التي دلت عليه النصوص الشرعية أن يقوم الإنسان بكل ما بوسعه ومقدوره فعله تجاه إخوانه، وإلا فإن الوقوف موقف المتفرج تجاه قضايا الأمة هو صورة من صور الخذلان لهم والوعيد لمن فعل ذلك شديد ..
قال صلى الله عليه وسلم: "من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلفه في أهله بخير إلا أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة".
نعم لا بد من وقفة عملية صادقة مع المجاهد لمن يستطيع ذلك بتجهيزه أو خلافته في أهله بخير وإلا فالوعيد في ذلك واضحٌ وبيّن ..
والواجب تجاه الأسير مختصرٌ وواضح ومجملٌ في قوله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني".
فالأسير إذًا لا يحتاج إلى مظاهرة في شارع، ولا خطبة في مسجد فحسب، بل يحتاج إلى رجال يفلون الحديد بالحديد، ويقارعون الأعادي ليفكوا العاني والأسير .. إما بالمساومة والتبادل أو بالفداء والمال ..
وهكذا كان حاله عليه الصلاة والسلام كما في قصة الرجل الذي نصر المرأة على اليهود من بني قينقاع ..
وموقفه صلى الله عليه وسلم من عمرو بن سالم لما غدرت بنو بكرٍ بخزاعة وأتى عمرو بن سالم شاكيًا للرسول صلى الله عليه وسلم ما جرى لبني قومه في قصيدته المشهورة:
ياربِّ ... إني نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حِلْفَ ... أَبينَا ... وَأبيهِ الأتْلَدا
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًَا وكُنَّا وَالِدا ... ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدا
فَانْصُرْ هَداَكَ اللهُ نَصْرًا أَبَدا ... وادْعُ عِبَادَ اللهِ يَاتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا ... أَبْيَضَ مِثْلَ البَدْرِ يَسْمُو صُعُدَا
إنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدا ... ونَقَضُوا ... مِيثَاقَكَ ... المُؤَكَّدَا
وَجَعَلُوا لي في كَدَاءٍ رَصَدَا ... وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا
وَهُمْ ... أَذَلُّ ... وَأَقَلُّ ... عَدَدَا ... هُمْ ... بَيَّتُونَا بِالوَتِيرِ هُجَّدَا
وَقَتَلُونَا ... رُكَّعًَا ... وَسُجَّدَا
يقول: قُتِلْنَا وقَدْ أَسْلَمْنَا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (نُصِرْتَ يَا عَمْرو بنَ سالم) ، ثم عرضَتْ سحابةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنَّ هذه السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بني كَعْبٍ) .. ثم سيَّر الجيش قِبالة المشركين في مكة ..