الصفحة 652 من 1360

بعد تخرج الشيخ من كلية الشريعة عين قاضيا في وادي الدواسر ثم ألغي ذلك التعيين بشفاعة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله لما رأى من نفعه في باب التدريس, فعين مدرسا في المعهد العلمي لمدة سنة واحدة وذلك عام 1376هـ ثم انتقل إلى الكلية بعدها عام 1377هـ وبقي فيها أربعين عاما يدرس فيها حتى سنة 1407هـ وترقى خلالها حتى وصل إلى درجة أستاذ, وقد درّس فيها جميع المواد التي كانت تدرس في المعهد والكلية كالتوحيد والفقه والفرائض والحديث والأصول والبلاغة والنحو كلها درسها وتخرج على يديه عدد كبير من الطلاب، وأشرف على عدد كبير من الرسائل الجامعية.

لم يكن هذا الجانب هو الجانب الأبرز في حياة الشيخ فقد جمع إلى ذلك خصالا حميدة، ومآثر عديدة فقد كان سخيا منفقا للمال، حسن الأخلاق، متواضعا، زاهدا في هذه الدنيا إلا أن أبرز جانب تميز به الشيخ هو الجانب الذي جبن عنه وتقاعس أغلب علماء هذا الزمان، فقد سد الله به ثغرة لم يسدها غيره، وأظهر به للعالمين كيف تكون صورة العلماء الصادقين، وكيف هو حال أهل السنة والاتباع من المصلحين؛ فإننا في هذه الأزمان المتأخرة بلينا بسفهاء سقطاء يلبسون جلود الضأن على قلوب السباع قد اتخذوا العلم مطية لتحصيل الملذات، والتنافس في المناصب، والتقرب إلى السلاطين المرتدين، والحكام الخائنين، ولقد كانوا في الزمان الأول كثيرا وهم في هذا الزمان أكثر من الكثير وزادوا على ذلك سوءا إلى سوء فانتسبوا زورا وبهتانا إلى السنة ومنهاج السلف فشوهوا بذلك صورة الإسلام والسنة، ونفّروا منهما العالمين، وجعلوهما في أعين الناس قرينة استبداد الحكام الظالمين وجشعهم وطمعهم، ومستند عمالتهم للكافرين وخيانتهم، حتى غابت عن أعين الناس صورة ذلك العالم الرباني المهتدي بهدي السلف العامل بعلمه الذي يقول بالحق ويصدع به حتى بعث الله الشيخ حمود الشعيبي رحمه الله، رحمة من الله بالمسلمين ليعلموا أن وعد الله حق وأن الخير لن يزال في هذه الأمة حتى يأتي أمر الله، ورغم قصر المدة التي انتشر فيها ذكر الشيخ على مستوى العالم فإنها جاءت في مرحلة حرجة وحساسة من تأريخ العالم الإسلامي حيث بدأت جحافل الصليبيين في غزو بلاد الإسلام تحت اسم حرب الإرهاب في حرب صليبية جديدة، وقد كانت كافية لرسم منهج، وتأسيس مدرسة، تحيي في الأمة كلمة الحق وترفعها عاليا في سماء العالم.

لقد ظل الشيخ طول حياته العلمية مهتما بأمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، مناصرا للجهاد في سبيل الله، متتبعا لأحوالهم معينا لهم بما ييسر الله له، وسندا للمصلحين من العلماء وفي المقابل كان جسورا شجاعا صامدا في وجه الطغاة والظالمين، مقلقا لهم، ومفسدا لجهودهم وخططهم بصدعه بالحق وجهره به على قدر استطاعته.

سجن الشيخ رحمه الله عام 1417هـ أربعين يوما وأوقف مرات كثيرة عن الإفتاء ومع ذلك لم يمتنع عن الفتوى فقد كان كثيرا ما يردد ? إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وقد أفتى شيخنا رحمه الله بفتاوى وألف رسائل كلها مما يمس واقع المسلمين ويحتاجون إليه فمنها: فتوى في تحكيم القوانين الوضعية، وكتاب: القول المختار في حكم الاستعانة بالكفار، وفتوى في نصرة المجاهدين في الفلبين، وفتوى في تكفير تركي الحمد، ومناصحة محسن العواجي، وبيان ضلالات حسن المالكي وغير ذلك، وكان له مراسلات مع أمراء الجهاد الأفغاني كحكمتيار للإصلاح بينهم وبين الطالبان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت