فهرس الكتاب
وقال الحسن البصري رحمه الله: (قطرتان وجُرعتان: فما جُرعةٌ أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبدٌ بحلمٍ يبتغي بذلك وجه الله عز وجل، وجرعة مصيبةٍ موجعة يصبر عليها عبد الله، وما قطرةٌ أحب إلى الله من قطرة دمٍ في سبيل الله، أو قطرة دمعٍ من عبدٍ ساجد في جوف الليل لا يرى مكانه إلا الله) .
وهوِّن عليك يا أُخي فإن قدوتك محمد صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته" وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله: (ليس لك من الأمر شيء) رواه مسلم.
وهوِّن عليك يا أُخي فإن من يُمرِّضك وينشغل في حاجتك له أجر من شهد المعركة فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (إنما تغيَّب عثمان عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي رقية رضي الله عنها - وكانت مريضةً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه") رواه البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ذكر يوم أُحد قال: (ذلك يومٌ كله لطلحة) - يعني طلحة بن عبيد الله - كنت أول من فاء فرأيت رجلًا يُقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه فقلت: كن طلحة. حيث فاتني هذا الموقف. فإذا بطلحة بضعٌ وسبعون بين طعنةٍ ورميةٍ وضربة، فأصلحنا من شأنه.
وقال قيس بن أبي حازم: (رأيت يد طلحة شلاَّء، وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد) .
وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: (كان في الزبير ثلاث ضرباتٍ بالسيف إحداهنَّ في عاتقه، وإن كنت لأُدخل أصابعي فيها ضُرب ثنتين يوم بدر، وواحدةٌ يوم اليرموك) .
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (رمى أبو دجانة رضي الله عنه بنفسه يوم اليمامة إلى داخل الحديقة فانكسرت رجله فقاتل وهو مكسور الرِّجل حتى قُتل) .
وهوِّن عليك يا أُخي فإن الله جل وعلا يكتب لك أجر ما كنت تعمل صحيحًا مقيمًا فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر المسافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) رواه البخاري.
واعلم رحمك الله أن الطريق طويل، مرة لك ومرة عليك قال ابن القيم رحمه الله: (الحالة الثالثة: أن يكون الحرب سجالًا ودولًا بين الجندين، فتارةً له وتارةً عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقِل، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وتكون الحال يوم القيامة موازنةً لهذه الأحوال الثلاث سواءً بسواء، فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة، وهذه الأحوال الثلاث هي أحوال الناس في الصحة والمرض، فمن الناس من تقاوم قوته داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة، ومنهم من يقهر داؤه قوته ويكون السلطان للداء، ومنهم من الحرب بين دائه وقوته نوبًا فهو مترددٌ بين الصحة والمرض، ومن الناس من يصبر بجُهدٍ ومشقة، ومنهم من يصبر بأدنى حملٍ على النفس ومثال الأول كرجلٍ صارع رجلًا شديدًا فلا يقهره إلا بتعبٍ ومشقة، والثاني كمن صارع رجلًا ضعيفًا فإنه يصرعه بغير مشقة فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، ومن صرع جند الشيطان صرع الشيطان) [1] .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه يرفعه: (يودُّ أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تُقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء) .