فهرس الكتاب
فاصبر يا أُخي على آلام الجراح وعلى فراق الأحباب، وانطرح بين يدي الله جلَّ وعلا لعلَّ الله أن يرحمك، واعلم أن أجر الصابرين ليس له حدٌّ في الثواب، قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) .
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" رواه البخاري.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبده خيرًا عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوفي به يوم القيامة" رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط" رواه الترمذي.
وروي في الخبر لمَّا نزل قوله تعالى (من يعمل سوءً يُجز به) قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله كيف الفرح بهذه الآية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لك يا أبا بكر أليس تمرض؟ أليس يصيبك الأذى؟ أليس تحزن؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "فهذا ما تُجزون به" يعني جميع ما يُصيبك من سوءٍ يكون كفارةً لك.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثٌ من رُزقهنَّ فقد رُزق خيري الدنيا والآخرة الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء، وقد ابتُلي أنبياء الله ورسله فصبروا على البلاء ورضوا بالقضاء"
وقيل: العسر يعقبه اليسر، والشدة يعقبها الرخاء، والتعب يعقبه الراحة، والضيق يعقبه السعة، والصبر يعقبه الفرج، وعند تناهي الشدة تنزل الرحمة، والموفق من رزقه الله صبرًا وأجرًا، والشقي من ساق القدر عليه جزعًا ووزرا.
وقال بعض الرواة: دخلت مدينة يقال لها "دفار" فبينما أنا أطوف في خرابها إذ رأيت مكتوبًا بباب قصر خربٍ بماء الذهب هذه الأبيات:
يا من ألحَّ عليه الهمُّ والفِكرُ ... وغيَّرت ... حاله ... الأيام ... والغِيرُ
أما سمعت بما قد قيل في مثل ... عند الإياس فأين الله والقدر
نم للخطوب إذا أحداثها طرقت ... فاصبر فقد فاز أقوامٌ بما صبروا
وكل ضيقٍ سيأتي بعده سَعَةٌ ... وكُلُّ فوتٍ وشيك بَعْدَه الظفر
وقال الثوري رحمه الله: (لم يفقه عندنا من لم يَعُدَّ البلاء نعمة، والرخاء مُصيبة) .
وقال وهب بن مُنبه رحمه الله: (إذا سُلك بك طريق البلاء سُلك بك طريق الأنبياء) .
وقال تعالى: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وقال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا) رواه الإمام أحمد.
فاعلم رحمك الله أن الجنة طريقها مليءٌ بالابتلاءات والتعب والنصب والهم والحزن فاصبر وما صبرك إلا بالله فإن الجنة محفوفةٌ بالمكاره.