فهرس الكتاب
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: (إنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ) يقول: (إن تكونوا أيها المؤمنون تَيْجَعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا.(فإنّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُون) يقول: فإن المشركين ييجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى, مثل ما تيجعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها. (وتَرْجون) أنتم أيها المؤمنون (مِنَ اللّهِ) من الثواب على ما ينالكم منهم, (ما لا يَرْجُونَ) هم على ما ينالهم منكم. يقول: فأنتم إذ كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم به مكذّبون, وأولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم, وأن تجدّوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما يهنون هم فيه ولا يجدّون, فكيف على ما جَدّوا فيه ولم يهنوا؟).
وقال الطبري رحمه الله أيضاًَ: (القول في تأويل قوله تعالى:(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ) .
بمعنى: إن يمسسكم القتل والجراح يا معشر أصحاب محمد, فقد مسّ القوم من أعدائكم من المشركين قرح قتل وجراح مثله ..
ثم ساق بسنده عن مجاهد في قوله: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) قال: جراح وقتل.
وعن الحسن, في قوله: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) قال: إن يقتلوا منكم يوم أُحد, فقد قتلتم منهم يوم بدر.
وعن قتادة, قوله: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) . والقرح: الجراحة, وذاكم يوم أُحد, فشا في أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ القتل والجراحة, فأخبرهم الله عزّ وجلّ أن القوم قد أصابهم من ذلك مثل الذي أصابكم, وأن الذي أصابكم عقوبة.
وعن الربيع في قوله: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) قال: ذلك يوم أُحد, فشا في المسلمين الجراح, وفشا فيهم القتل, فذلك قوله: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) يقول: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوكم مثله, يعزّي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحثهم على القتال.
وعن السديّ في قوله: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) والقرح: هي الجراحات.
وعن ابن إسحاق: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ) أي جراح, (فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) : أي جراح مثلها.
وعن ابن عباس, قال: نام المسلمون وبهم الكلوم ـ يعني يوم أُحد ـ قال عكرمة: وفيهم أنزلت: (إنْ يَمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلكَ الأيّامُ نُداوِلِهَا بينَ الناسِ) وفيهم أنزلت: (إنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فإنّهُمْ يالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لا يَرْجُونَ) .
وقال الطبري في تفسيره: (القول في تأويل قوله تعالى:(وَتِلكَ الأيّامُ نُدَاوِلهَا بَيْنَ النّاسِ) .
يعني تعالى ذكره بقوله: (وتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُها بَيْنَ النّاسِ) أيام بدر وأُحد, ويعني بقوله: (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ) : نجعلها دولًا بين الناس مصرفة, ويعني بالناس: المسلمين والمشركين. وذلك أن الله عزّ وجلّ أدال المسلمين من المشركين ببدر, فقتلوا منهم سبعين, وأسروا سبعين, وأدال المشركين من المسلمين بأُحد, فقتلوا منهم سبعين سوى من جرحوا منهم, يقال منه: أدال الله فلانًا من فلان فهو يديله منه إدالة إذا ظفر به فانتصر منه مما كان نال منه المدال منه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: