فهرس الكتاب
نعم، أصبحنا الآن في الشارع والأشجار تحجب أنظارهم عنّا، وجميع القوات الحاشدة في الخارج تحسبُ أننا في الفندق، وكانت الساعة قرابة العاشرة والنصف ليلًا، وكنا متعبين جدًا ونشعر بالنعاس، فقررنا أن نرتاح قبل أن نهجم عليهم - ولم يكن بيننا وبينهم إلا أمتار، ولكن الله برحمته صرف أنظارهم إلى الفندق وهيئ لنا هذه الأشجار الضخمة فحجبتهم عنّا، ولم يكونوا أصلًا يتوقعون ولو بنسبة واحد في الألف أن نقفز من هذا السور الشاهق، ونام الإخوة لمدة ساعة وكنت أنا حارسهم، وكان جميع الإخوة موقنين بأنهم سيقتلون، ولكننا فضلنا أن نقاتل ونحن مرتاحين، ثم نمت نومة ما أذكر أنني نمت في حياتي مثلها راحةً وهدوءَ بال فالحمد لله، وبعد ذلك قررنا أن نبدأهم بالهجوم واجتمعنا وألححنا على الله بالدعاء وأن يمدنا بمدد من عنده وجندٍ من جنده، وكانت الخطة أن نظهر نحن الأربعة جميعًا وأول سيارة عسكرية أمامنا نوقفها، ونمر وحسين يتوجهان إلى السيارة ويقتلان من فيها من كلاب أمريكا، وأنا أتوجه إلى الهمر بحيث أشتبك معه وأشغله عن الإخوة، والأخ نادر يحمل باقي الذخيرة لأنها ستعيق الحركة السريعة ويحمّلها في السيارة، ثم إذا أخذنا السيارة نتوجه إلى الأطواق الأمنية ونشتبك معهم.
صوت الجهاد: كم كان عدد الجنود في تقديرك؟
في الحقيقة كان عددًا هائلًا من القوات والمدرعات والهمرات والآليات، ونحن أردنا أن نأخذ السيارة لأن الأطواق الأمنية كبيرة جدًا بالكيلوات، ولابد لاختراقها من سيارة تقلنا وأسلحتنا، وحين ظهرنا من خلف الأشجار ذُهِل الجنود وأخذوا ينظرون لنا وكأننا أشباح، وكان أسرعنا وصولًا إليهم نمر رحمه الله، فقد جرى بسرعة هائلة رحمه الله وهو يرمي ويكبر، واشتبكنا معهم، ونصرنا الله بفضله وكرمه ورحمته ومنته عليهم، وأخذ بقية الجنود حول الموقع يرمون ولا أدري على ماذا يرمون، لعل بعضهم كان لأول مرة يجرب سلاحه!!
وأعطبنا سيارتي جيب وقتل من فيها وقتلتُ سائق الجيب الثالث فانقلبت السيارة عدة قلبات، وأصبحنا الآن في وسط الشارع ولم نجد سيارة نركبها، فأردنا الدخول في إحدى الشوارع القريبة، وانطلق نمر رحمه الله بسرعة البرق واتخذ وضعًا قتاليًا صعبًا جدًا واشتبك مع الهمر، ورأيت رصاصات الرسام التي انطلقت من سلاحه تشتعل في الجندي الذي على الرشاش، واجتزنا الشارع والرصاص كالمطر ينهمر علينا ونحن نرد عليهم وكانت معجزةً من الله وكرامةً عجيبة، فقد كنا نرى الرصاص بين أرجلنا وحولنا ومع ذلك لم يصبنا شيء فلله الحمد وحده.
دخلنا الحارة المقصودة، واستطعنا الخروج من ذلك الطوق بحمد الله، وكان أولئك الأغبياء مازالوا يرمون!! ركبنا إحدى السيارات ثم انطلقنا ووالله إنني أتعجب مما حدث، فلمسافة كيلو ونصف أو كيلوين ونحن نمر بعشرات المصفحات والآليات والدوريات وناقلات الجنود ونشتبك مع هؤلاء جميعًا ومررنا من وسطهم جميعًا، من وسط الشارع الذي يتمركزون فيه، وكان بيننا وبين السيارةِ منهم مترٌ واحد فقط!! وأقفلوا الشارع ولكن الله يسّر لنا الخروج، وكنا قد استقتلنا ونوينا الانغماس فيهم طلبًا للإثخان والشهادة، ولكن صدق أبو بكرٍ رضي الله عنه حين قال: احرص على الموت توهب لك الحياة!.