الصفحة 777 من 1360

فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة هذه أحبكم ألي من قاتل في سبيلي فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ، وعن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا بيننا, فقلنا أيكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله؟ وهِبْنا أن يقوم منّا أحد, فأرسل رسول الله إلينا رجُلًا رجُلًا, حتى جمعنا, فجعل بعضنا يشير إلي بعض, فقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) إلى قوله (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ) قال: فتلاها من أولها إلى آخرها. رواه أحمد والترمذي بسندٍ لا بأس به, روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه, فنعمل به فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان فيه, وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به, فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) .

وبهذا يتبين أن محبة الله توجب المجاهدة في سبيله قطعًا، فإن من أحب الله وأحبه الله أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغض الله، ووالى من يواليه الله، وعادى من يعاديه الله، لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها، فإن المحبة توجب الدنو من المحبوب ومحابه، والبعد عن مكروهاته، ومتى كان مع المحبة بقدر ما يبغضه المحبوب فإنما تكون تامة.

فتأخر أكثر المدعين للمحبة فقام المجاهدون, فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم, فقال: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) لما عرفوا عظمة المشتري، وفضل الثمن, وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة فرأوا من أعظم الغبن بيع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد ٍلا يزول ولا ينفذ بصبابة عيش, وإنما هو كأضغاث أحلام, أو كطيف زار في المنام, مشوبٍ بالنغص ممزوج ٍبالغصص, وإن أضحك قليلًا أبكى كثيرًا, وإن سر يومًا أحزن شهورًا, آلامه تزيد على لذاته, وأحزانه أضعاف مسراته, أوله مخاوف وآخره متالف. وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة, وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة, إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدًا, وسيق المجرمون إلى جهنم وردًا. وهكذا عقد أهل المحبة البيع بالتراضي قالوا والله لا نقيلك ولا نستقيلك فلما تم العقد وسلموا المبيع, قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم ما كانت وأضعافها معًا (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) .

فحي على جنات عدن بقربهم ... منازلك ... الأولى ... بها ... كنت نازلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت