الصفحة 914 من 1360

السُنَّة التي مكَّنت من قيام الدولة الإسلامية في المدينة هم الأنصار المسلحون من الأوس والخزرج الذين حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إيجادهم طوال فترة وجوده بمكة ليبدأ بهم مرحلة التمكين حتى لو تطلب الأمر ترك الديار والأهل والمال لأنه يعلم أن الأنصار المسلحين هم من سيأتون بالمساجد والديار والأهل والمال وجميع المكتسبات، وأوضح من ذلك دخول الكثرة في الإسلام واتساع الدولة حدث بعد الفتح والنصر تبعًا لسنن كونية لا تنخرم، بينما منهج جماعات كف الأيدي يتجنب جمع الأنصار المسلحين بحجة أن ذلك سيؤلب عليهم الأنظمة الطاغوتية مما يعرض مكتسبات دعوتهم للخطر زعموا!!، ويتجنب الهجرة إلى بلاد أو أراضي أو جبال بها أنصار وتؤمن التدريب على الجهاد حتى لا يُتهموا أنهم يسعون لتقويض دولة الطواغيت!! وتحت حجة أنهم لا يريدون أن يفرغوا الديار من الدعاة - زعموا -، وهم بذلك خالفوا السنة الشرعية بالمرحلة المكية التي هي سنة كونية أيضًا، وسهلوا على الطاغوت أن يقوم كل فترة - بدون عناء - بحصد تلك المكتسبات الدعوية متبعًا سياسته المعروفة (سياسة خلع الأنياب) تاركًا جماعات كف الأيدي تدور في حلقة مفرغة سوداء مظلمة لتبدأ من نقطة البداية من جديد وأحيانًا من خلف نقطة البداية وأحيانًا لا تستطيع المعاودة ولنا في تونس عبرة.

لقد وقفت كثير من الحركات الإسلامية التي نشأت بعد سقوط الخلافة طويلا أمام الإجابة على سؤال: ما هي الطريق الشرعية لإحياء دولة الإسلام؟ وقد أخذ هذا السؤال شوطًا بعيدًا من الوقت والجهد للوصول إلى الجواب الصحيح، أو لتحديد معالمه خاصة في وجود أسئلة أخرى عجزوا عن الإجابة الواضحة عليها سواء في توصيف الواقع أو حكم الله فيه.

ومن يتأمل في الأمر يجد أن دولة الخلافة سقطت، والدول الاستعمارية كانت منهكةً من كثرة المقاومة التي كان كثير من فصائلها حركات إسلامية، لكن للأسف أكثر هذه الحركات لم تتوصل للإجابة الواضحة على كثير من التساؤلات الهامة التي كانت الإجابة عليها ستجعلهم يقفون الموقف الشرعي الصحيح المتفق بالتأكيد مع السنن الكونية، مما كان سيمكنهم من تغيير الواقع طال الزمن أو قصر، فقط على الأقل كانوا بالإجابة الصحيحة سيضعون أنفسهم على أول الطريق المستقيم الصحيح بدلًا من هذه الحلقة المفرغة التي وضعتهم فيها الوساوس الشيطانية التي تملأ عقولهم.

عند سقوط الخلافة كانت جميع الأحزاب اليسارية واليمينية في مجتمعاتنا في طور النشوء، إلا أنَّ هذه الأحزاب وخصوصًا اليساريّة شدّت الخطى وسعت بتقدّم ناجح نحو أهدافها في بناء دولهم ومجتمعاتهم بينما كان المسلمون في تنظيماتهم يتناظرون فيما بينهم على الطريقة النبويّة في إقامة دولة الإسلام، وهو أمر مشين معيب، وعلى الرغم من أن أهل الإسلام كانوا يملكون الرصيد الأكبر لتحصيل الغلبة في امتلاك الدولة، لكن بكلّ سهولة ويسر تحوّل مَن لا يملك الرَّصيد إلى حاكمِ دولةٍ ومن يملكُ الرصيد إلى مُهاجر مُطارد لا يملك مترَ أرض يموت فيه مرتاحًا.

لقد بنى النّاس دولهم وأقاموا لها الأساسات والعُمُد ووثّقوا أركانها وجَنَوا خيراتها وربّوا الأمّة على ما يريدون، وكسبوا مواقع متقدّمة، وما زال أهل الإسلام يتناظرون ويتشاجرون حول الطّريقة المثلى لإقامة الدّولة الإسلاميّة؟!!. وكلّ المتناظرين يزعمون أنّ دليلهم فيما يقولون من إقامة الدّولة الإسلاميّة مشتقّ من الطّريقة النّبويّة.

وللأسف ما زال بعض الناس يظنُّ أن هذه الطريقة تحتاج إلى مزيد من الكشف والدراسة، ومازال الكثير من أهل الدين يجمع الناس ليحدّثهم عن الطريقة المُثلى في إسقاط الطواغيت، أو الطريقة المثلى في إحياء دولة الخلافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت