فهرس الكتاب
الإخوان المسلمون في مصر أيام حسن البنا بلغ تعداد جماعتهم قرابة المليون كما تقول الروايات، في بلد تعداد سكانه وقتها حوالي عشرين مليون، أما تنظيمهم الخاص (العسكري) فقد كان يشتمل على جهاز مخابرات أقوى من جهاز مخابرات الحكومة المصرية حتى أنهم رصدوا مجموعات الشباب للأحزاب الأخرى التي كانت تتدرب للقيام باغتيالات للإنجليز وأعوانهم من الحكومة المصرية، بينما مخابرات فاروق لم تكن تدري شيئًا عن ذلك، وليرجع القراء إلى
كتاب (النقاط فوق الحروف) لأحمد عادل كمال، وهو واحد من أبرز أعضاء الجهاز الخاص للإخوان في الأربعينات والخمسينات، ويشرح فيه (أحمد عادل كمال) بكل صراحة مدى التخبط المنهجي والخلل الذي أضاع منهم الفرصة وقتها، وقد بين فيه أن جمال عبد الناصر كان يعتمد على تنظيم أضعف بكثير من تنظيم الإخوان بل كان دعم الإخوان له قبل وبعد الثورة عامل نجدة له في السنوات الأولى للثورة، بالطبع الإخوان وقتها أخذوا جانبًا غير مكتمل من سنة المدافعة ولكن حرفوا مسارها وأهدافها، ثم بعد ذلك تنكروا لها بالكلية، ونبذوها وراء ظهورهم مع أن الجزء الذي أخذوه وقتها من هذه السنة كان تقريبا الشيء الوحيد المستقيم في منهجهم.
لقد كان الشيخ الطنطاوي - غفر الله لنا وله - يستطيع أن يحرّك دمشق كلّها بخطبة واحدة من خطبه، وكان يستطيع أن يحشد أهل دمشق إلى أيّ قضيّة يريد، بالرغم أن عدو الله ميشيل عفلق (أحد مؤسسي حزب البعث) لم يكن يستطيع أن يجمع حوله مائة شخص من أجل تنظيم مظاهرة أو درس، بل لم يكن يستطيع البعثيّون والشّيوعيّون أن يكسبوا أصوات الجهلة في قرى سوريا حتّى يضعوا أمام أسمائهم لقب شيخ أو حاج.
المسلم المهتدي معه توفيق الله تعالى وبالتّالي هو أقرب إلى تحصيل أهدافه من الكفّار، ومن أسماء الشرع عندنا: الهداية، ومعناها البصيرة في إدراك المطلوب، فبالتّالي ما هو شرعيّ أقرب إلى غيره في الوصول إلى الهدف فمُمْتَثِل الطّريقة الشّرعيّة أقرب من العاصي في إدراك المراد.
لماذا حتى الآن لم يسأل المشايخ أنفسهم: لماذا وصل الكافر إلى هدفه وجنى المسلم ضدّ مراده؟ لماذا بنى البعثيّون دولتين وشيوخ الإسلام لم يجدوا مأوى لهم؟ مع أنّ كلّ أدوات المعركة كانت بين أيدي المسلمين ومشايخهم كما قدّمنا وكان القليل منها بيدِ أعدائهم خلافًا لواقعنا الآن.
أليس هذا السؤال يوجب عليّ وعلى كلّ عاقلٍ - لم يؤجّر عقله لغيره - أن يعتقد أنّ ما قاله المشايخ عن الطريقة النبويّة في إقامة الدولة الإسلاميّة هو خطأ على الطريقة النبويّة، وليس خطأ من الطريقة النبويّة؟
إنَّ الطريقة النَّبوية هي عينها الطريقة الكونيّة في إقامة الدُّول إلاّ أنّ الخطاب الشرعي لا يَثبُت إلاّ بدليلٍ شرعي، وبالتّالي فإنّ مِن الخطأ الشّنيع أن يظنّ أحدٌ أنّ السّيرة النّبويّة لها نظام خاصٌّ وقواعد مستقلّة خارج نظام وقواعد وسنن التّغيير السّننيّ في البشر جميعًا، وهذا فيه ردٌّ على أولئك الذين يجعلون الطّريقة النّبويّة طريقة خاصّة لا يعرفها إلاّ أهل الإسلام في إقامة الدّولة.