فهرس الكتاب
إنَّ الطريقة الكونيّة التي يسلكها عقلاء البشر في بناء دَولتهم هي عينها الطريقة النبويّة في إقامة الدولة الإسلاميّة، لأنّ الدَّولة شيءٌ وجوديٌّ كونيٌّ واسمها يُطلق على شيء واحد عند البشر جميعًا ولكن المضاف إلى هذه الدولة هي الأحكام والقِيَم التي تحكم بها هذه الدولة، فهذه دولة إسلاميّة لأنها تحكم بالإسلام وقِيَمُها مستمدّة من الإسلام، وهذه دولة شيوعيّة لأنها تحكم بالقيم الشيوعية، وهذه دولة بعثية لأنها تحكم بقيم حزب البعث، ولكن اسم الدولة مشترك بينها جميعًا وهو يُطلق على شيءٍ وجودي واحد، والشيء الوجودي (السُنَّة القدريَّة) شيء جامع للبشر جميعًا بغضِّ النظر عن دينه وقيمه.
من الممكن أن أدلل على ما جاء بالمقال بكلام لعلماء السلف كابن القيم وابن تيمية، ولكن ما فائدة ذلك إذا كان القوم عقولهم لا تدرك ذلك بدون أقوال هؤلاء الأعلام.
من مجمل ما سبق يتضح للقارئ كيف أني عقبت على كلام المعترض على المقال السابق أن كلامه صحيح بقدر ما، ولكني ذكرت أن هناك بعض التحفظات منها:
-أن أهداف الأغيار قد يختلط فيها أهداف مشروعة في ديننا وأهداف غير مشروعة ومن ثم تكون السنن الكونية التي تحقق لهم أهدافهم مختلطة بما هو جائز وما هو غير جائز.
وذلك لأن كل السنن الشرعية والوسائل المشروعة أو المأمور بها شرعًا لتحقيق هدف ما؛ هي أنجع السنن الكونية لتحقيق ذلك الهدف ضرورة لأن الله أكمل لنا الدين وأنزله لنا يهدي للتي هي أقوم، بينما القدر الكوني لا يلزم أن يكون شرعيًا، فإن السرقة تحصل بها على المال إلا أنها غير مشروعة.
للأغيار أهداف تشابه الأهداف المشروعة للمؤمنين وأهداف مغايرة، فمثلا هدفهم إقامة دولة لكن مثلا تجد العزة فيها لعنصر طائفي معين، أما المؤمنون فالناس عندهم سواسية والدولة عندهم من أهدافها رحمة جميع الخلائق، لتؤمن فيها الدعوة لهداية البشرية التي أضلها الشيطان، وعدم إهدار أموال وإزهاق أنفس بدون داعي، لذلك حتى تتحقق لهم أهدافهم تحتاج لما ينال بها من أسباب كونية، فأخذهم بالقتال كسبب كوني يحيطونه بأسباب أخرى كونية - وهي شرعية بالطبع - تحقق مجموع أهدافهم، فهم يتجنبون تقصد الأطفال والنساء ما دام لا توجد مصلحة شرعية أكبر في استهدافهم (كردع العدو على القيام بمثل ذلك في مذهب بعض أهل العلم) ، وهم لا يتقصدون العدو لعنصره وجنسيته فمن تاب من العدو وأصلح يأخذ بعمله مكانة في الدنيا والأخرة أكبر من المؤمن السابق، ما دام عمله أفضل.
بينما الأغيار قد لا يراعون هذه الضوابط إلا لحاجتهم لأهداف أخرى أو أهداف تشابه أهداف أهل الإيمان.
كذلك الأغيار لا مانع عندهم من الاتحاد الكامل مع من يخالفهم كليًا في اعتقادهم ضد عدو مشترك، في حين أن من أهداف أهل الإيمان صفاء المبدأ والعقيدة عن الخلط والفساد، فلا يعملون بهذه السنة في هذه الصورة، ولهذه النقطة الأخيرة درجات وتفصيل.
كذلك انتصار المبدأ والأجر الأخروي مقدم على المصالح المادية عند المؤمنين، لذلك فقد يستمرون في المعركة على الرغم من تحقق الهزيمة رغبة في نيل الشهادة أو عدم الرضوخ أمام الأعداء، بينما الأغيار قد يرضخون أمام الأعداء لتحقيق هدف معين، أو لتحصيل بعض المصالح المادية أفضل من لا شيء.
أهم ما نريد أن نخرج به من هذه التحفظات: