فهرس الكتاب
فمثلًا الحركات اليسارية تركز على أهمية المال وتضع له تأثيرًا كبيرًا في حركتها وحركة أعدائها، بل تعتبره أكبر دافع يحرك الصراع والمعارك بين البشر، أما السياسة الشرعية عندنا فهي لا تغفل دور المال وتأثيره على البشر لكن لا تجعله المحرك الوحيد أو الدافع الرئيسي للصراع خاصة بالنسبة للمؤمنين، والشرع يؤكد على أن حاجة نفس المؤمن للعبودية للخالق أكبر دافع ومحرك للصراع وأنَّ ذلك ما تمليه الفطرة السوية على أي إنسان لم تنتكس فطرته، كما يؤكد على دور المال في الصراع بما يتفق على حجمه الحقيقي، قد يكون عند أغلب قادة الأعداء وكثير من الجند والأتباع محرك أساسي، لذلك كان الضغط الاقتصادي على الأعداء من السياسة الشرعية، إلاَّ أنه عند صف المؤمنين فالأمر مختلف فالسياسة الشرعية لا تغفل عن كون المال محركًا لبعض المؤلفة قلوبهم ومحركًا ثانويًا وتابعًا لبعض الصف المؤمن، إلاَّ أنه غير أساسي لتحريك القاعدة الصلبة من المؤمنين، كذلك الشرع يجعله عنصر أساسي كوقود للمعركة والصراع عند الطرفين، لذلك تجد الآية تشير إلى أن المال عصب المعركة وأن نضوب النفقة على المعارك والنفقات الضرورية العادية يؤدي إلى انفضاض من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلاَّ أنَّه يطمئن المؤمنين أنه إذا انقطعت أسباب المنفقين على تكاليف المعركة والنفقات الضرورية للمؤمنين فإن لله خزائن السماوات والأرض، كل ذلك مع حث المؤمنين على النفقة في سبيل الله والتأكيد على أحكام شرعية تجعل موارد للمال كالزكاة والغنيمة ونحو ذلك.
نأخذ مثال آخر لذلك الأمر ألا وهي السرية فنجد أن الشرع لم يغفل أهمية السرية كسبب كوني في الأمور العسكرية لكن لم ينس الشرع أننا في الأصل حركة هداية فعندما نغالي في الأخذ بالسرية نخرج من حيز حركات الهداية إلى حيز عصابات المافيا أو طرائق الحركات الباطنية، بل إن المبالغة في السرية بهذه الصورة المغرقة قد تعوق تنمية الكم بأن تجعل الحركة يمر عليها السنين الطوال ولم يتحصل لها إلا أعداد هزيلة، وتعوق تنمية (الكيف) وقد بينت ما يتعلق بالـ (كيف) في خاتمة الدراسة التفصيلية، ولذلك وضع الشرع هذه السنة الكونية (السرية) بصورة مُثلى تناسب طبيعة الحركة والمنهاج الإسلامي.
ومن الأمثلة أيضا لهذا الأمر ما ذكرناه في خاتمة الدراسة التفصيلية فيما يخص الانقلاب العسكري، وبينا أنه قد ينجح كسبب كوني لقيام دولة الإسلام بصورة جزئية وذلك لأن عناصره ناقصة فينتج عنه نتائج ناقصة لا تلبث أن تنتكس، وهو حل يمكن القيام به كجزء مكمل لحركتنا لكن لا تُبنى عليه أساس الدولة الإسلامية كما حدث من العبد الصالح أبي فيروز الديلمي - رضي الله عنه - مع الأسود العنسي، نعم هو حل يأخذ بجانب من السنن وقد يقيم دولة للقائمين عليه كأفراد لكن يصعب استمرار هذه الدولة على صورة إسلامية متكاملة إلا إذا كان هذا الحل جزءًا من خطط وأعمال الحل السنني المتكامل الذي طرحته الدراسة المفصلة، فقد كانت حركة أبي فيروز الديلمي - رضي الله عنه - جزءًا من حركة الجماعة المسلمة ولم تكن عماد التحرك لها، مع ملاحظة أنه قد يكون حل سنني متكامل لحركة غير إسلامية هدفها فقط الوصول للحكم أما المنهج الإسلامي فله أهداف متعددة.