الصفحة 939 من 1360

وهكذا رسولنا صلى الله عليه وسلم كم أوذي فعفا وغفر حتى لمن أخرجه من بلده فقال يوم الفتح يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (وقال: "اليوم يوم برٍّ ووفاء") رواهما ابن إسحاق. ولما عرض عليه ملك الجبال بأن يطبق عليهم الأخشبين فقال صلى الله عليه وسلم "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" وقال عبد الله بن مسعود: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وهكذا سار الصحابة رضي الله عنهم فهذا صِدّيق هذه الأمة أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه لما حصل في قصة الإفك ما حصل وأنزل الله براءة الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله (وَلَا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي. قال عبد الله بن المبارك هذه الآية هي أرجى آية في كتاب الله. وهذا عمر رضي الله عنه لما استأذن الحر بن قيس لعيينة بن حصن فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: (هِيْ يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم(خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله) وهذه الأحاديث والآثار في الصحيحين.

واعلم أن من أعظم أسباب عفو الله ومغفرته أن تطلب العفو والمغفرة منه لا من غيره، أخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أسأل؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنِّي"، ويُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي الله تعالى بالمؤمن يوم القيامة فيُقرِّبُه حتى يجعلَه في حجابه من جميع الخلق، فيقول له اقرأ صحيفتك، فيُعرِّفهُ ذنبًا ذنبًا: أتعرفُ أتعرفُ؟ فيقول: نعمْ نعمْ، ثم يلتفت العبدُ يمنةً ويسرة، فيقول الله تعالى: لا بأس عليك، يا عبدي أنت في سترٍ من جميع خلقي، ليس بيني وبينك اليومَ أحدٌ يطِّلعُ على ذنوبك غيري، اذهب فقد غفرتُها لك بحرفٍ واحدٍ من جميع ما أتيتني به، قال: ما هو يا رب؟ قال: كنت لا ترجو العفو من أحد غيري" رواه الطبراني بسندٍ فيه ضعف وأصله في البخاري في كتاب التفسير من صحيحه باب (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) .

أثامن ... بالنفس ... النفيسة ... ربها ... وليس لها في الخلق كلهم ثمن

بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن

لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت