فهذا العفو الممدوح صاحبه أن يعفو عمن ظلمه أما عفو يعقبه السجون والتعذيب بأنواعه وأن العفو لا يكون إلا بترك بعض أمور الشرع فهذه طريقة الفراعنة والطواغيت قال فرعون لموسى عليه السلام (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) ويا ليت سجن هؤلاء كسجن فرعون بل ما سبقهم في سجونهم سجن أحد من الفراعنة من شدة ما فيه من العذاب مثل تسهير الليالي وكشف العورات والتهديد بانتهاك الأعراض والصعق الكهربائي وهذا يهون عندما تسمع من مسبة الله ورسوله والاستهزاء بالدين من هؤلاء الزبانية. وكذلك فرعون أخذ يناقش موسى ويأخذ ويعطي معه ويستمع منه أما هؤلاء فإنهم لا يسمعون لناصح حتى لو ترسل برقية مناصحة، لكن هذه النصيحة فيها دعوتهم للهداية والتوحيد أقل ما يكون سجنك بسبب البرقية خاصة إذا عرفوا اسمك وسكنك أقل الأحوال ستة أشهر إلى سنتين وقد وقع هذا. إذًا هؤلاء لا يرون شعبهم إلا عبيدًا عندهم وهم يرون أنفسهم مثل اليهود شعب الله المختار. وهذا التهديد بالسجن طريقة مشركي قريش كما قال تعالى (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) لكن قريشًا عندها شيم العرب ما تفزع النساء ولا تذعر الأطفال ولا تداهم البيوت ولذا وقفوا عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرج. والمصيبة هنا تتزايد بالتأييد مطلقًا ممن يدعي العلم على هذه الأفعال. والآخرون يطالبون بتسليم المجاهدين لكي تسلم لهم معايشهم لأنهم ضاقت بهم الطرق بالتفتيش وأغلقت بعض مكاتب الدعوة, وحصل التضييق العام ولا ينسبون هذه الأفعال للدولة وإنما ينسبون ذلك للمجاهدين. قال تعالى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) وأيضًا هذا الطريق أعني طريق الجنة محفوف بالمكاره كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره" قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لما ذكر الموضع الثاني من السيرة قال: فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا عرفت أن كثيرًا من الذين يدّعون الدين لا يعرفونه ولا يفهمونه، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس ولو يجد لهم رخصة لأرخص لهم كيف وقد أنزل الله عليه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك أهـ.