وهذه شبهة من الشبه الإبليسية في جميع الطاعات، فيسوِّل لبعض الناس ترك الطاعة خوف الرياء، وأنَّك إن تترك الطاعة بالكلية خير لك من أن تفعلها رياءً وسمعةً فتكون من أول من تسعر بهم النار، من المنفق والعالم والمجاهد يريدون الجاه والسمعة، أو أنَّك إن طلبت العلم استكثرت به من الحجج وزادت معصيتك وإثمك، فاترك العلم خيرًا لك، ونحو ذلك من الشبه التي ما يُلقيها إلا الشيطان.
والجواب عن هذه الشبهة، أنَّ هذه المعاصي والذنوب المحذورة، يجب الابتعاد عنها والهرب منها دون ريب، إلاَّ أن الهروب عنها يكون بالطرق الشرعية لا بالأهواء وما تستحسنه النفوس، والطريق الشرعية هي المضي في أمر الله، والاستعانة به على الخلاص من المعاصي والنجاة من حبائل الشيطان، أما من سلك طريقًا أخرى، وترك الواجب خوفًا من وقوع المحذور، فقد ترك طريقًا غير ما أمره الله به، ولن يكون فيه هدى أبدًا، لأنَّ هدى الله هو الهدى، والهدى كله هدى الله، والذي ضمن الله له أن لا يضلَّ ولا يشقى هو من اتبع هداه دون من أعرض عن ذكره، (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) وهذه الآية دليل بالمطابقةِ على من اتبع غير دين الله، وفيها دلالة على من خالف أمر الله في القليل والكثير.
والله سبحانه وتعالى شكور، يُثيب فاعل الحسنة بالتوفيق إلى حسنةٍ بعدها، ويقرّب من تقرَّب إليه شبرًا بأن يقرّبه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا بأن يقربه إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه سبحانه هرولة، فيُعطي على القليل الكثير وعلى الخير الخير الوفير، لا كما يظنُّ من أزله الشيطان فساء ظنُّه بالله، وظنَّ أن فعله الطاعة والقربة إلى الله سبب في ابتعاده عن الله وحرمانه الرحمة والتوفيق.
-أنظر أحيانًا إلى الإخوة الملتزمين من حولي ممن نعهد فيهم الصلاح والتقوى وكثرة العمل الصالح .. فأتساءل: أيعقل أن يضل عن الحق وأهتدي إليه أنا؟
يُروى في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لا يكوننَّ أحدكم إمعة، يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن لا تسيئوا".
والمسلم مطالبٌ في دينه باتباع الحق لا الرجال، وما أضل الناس إلا اتباع فلان وفلان، ولما سئل خالد بن الوليد عن سبب تأخر إسلامه مع وفور رأيه ورجاحة عقله قال: كنا نرى رجالًا نرى أحلامهم كالجبال، يعني اتباعه لأكابر قريش من المشركين، فصده ذلك عن الإسلام واتباع الحق.
والمشركون ضلوا في اتباعهم الرجال من وجهين:
الأوَّل: أنَّهم قالوا (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) ، فعلقوا اقتداءهم بالمعظمين عندهم وهم في الآية آباؤهم مهما كان فعلهم.
الثاني: أنهم قالوا: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) ، فاستنكروا الحقَّ من غير المعظَّمين عندهم، واستغربوا أن يأتيهم الحق من غيره.
فجمعوا في هذين الوجهين: قبول الباطل من المعظمين، ورد الحق من غير المعظمين، فاجتمع لهم بذلك الضلال كلُّه، والضلال أو الخطأ بسبب هذه الشبهة، قد يقع في الكفر الأكبر، وقد يقع فيما دونه من مسائل الأصول والفروع.
وغالب استدلال الناس بالمعظمين من أهل العلم أو أهل الصلاح والتقوى يكون على هذين الوجهين، فمن الناس من يقول: أنا أتّبع فلانًا وأجعله بيني وبين الله، ويتوهَّم أنَّ ذمَّته تبرأ بهذا، ومن يقول: كيف آخذ بما تدعون إليه ولم يأخذ به فلان ولا فلان.