لم يرفع بدلالاتها كثير من رويبضة المتأخرين رأسًا، وراموا هدم عرى الإيمان ودعائم الدين فتلاعبوا به أصلًا وأسًا.. وتطاولوا ببنيانهم الهش الذي لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان، فأمسوا يتكلمون في دين الله بما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون، نصّبوا أنفسهم مشرعين يستحسنون ويستصلحون في دين الله ودعوته ما يهوون ويشتهون.
وكأنهم بلسان حالهم يظنون أن الله قد ترك هذا الدين لهم سدًا من غير ضوابط ولا حدود ليعبثوا فيه كيف شاؤوا، بأهوائهم واستحساناتهم الفاسدة الباطلة.
مع أنه تعالى قد قال منكرًا: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا) . {المؤمنون115}
وقال عز وجل: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) {القيامة: 36} .
وبين أن القائل في دين الله الخائض فيه بغير علم لا يزال من الكاذبين حتى يأتي بالبرهان الصحيح على دعواه فقال: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) [النمل: 64] .
وهذه ورقات كنت قد سطرتها قبل سنين، درست فيها موضوع الاستصلاح والاستحسان وبينت فساد الطريقة التي يتناوله بها أهل الأهواء. لعموم البلوى بذلك في زماننا ولحوق فئات من الناس بالمشركين ودخولهم في سبلهم من هذه الأبواب.
وقد تناولت في آخرها فتوى لطيفة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، متعلقة بهذا الباب، استللتها من مجموع فتاواه، اختصرتها وهذبتها وعلقت عليها.
أسأل الله تعالى أن يفتح بهذا الجهد المتواضع آذانًا صمًا وأعينًا عميا وقلوبًا غلفًا، وأن يجعل أعمالنا صالحة خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) [الأنعام: 125] .
أبو محمد عاصم المقدسي