حتى بلغ به الأمر إلى أن ضرب على ذلك مثلًا بالجزائر حين خرج المستعمر الفرنسي منها، فزعم أن أغلب اقتصادها كان آنذاك مبنيًا على صناعة الخمور، فأخذ يسفه عقول القائلين بإغلاق تلك المصانع فورًا ويصفهم بالجمود مع النصوص وعدم فهم روحها وأن المصلحة تقتضي إقرار تلك المصانع والتدرج مدة في إلغائها. خشية من مفسدة انهيار الاقتصاد وتضرر الشعب (1) . مع أن الله تعالى قد ألغى مثل هذا الاستصلاح وبين يوم أن قضى بمنع المشركين من دخول الحرم، وقد علم سبحانه بخوّف بعض المؤمنين من مفسدة ضعف الاقتصاد وكساد التجارة التي قد تنتج عن ذلك المنع المفاجئ، فقال سبحانه: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم) [التوبة: 28] .
وهكذا فقد بلغ الأمر بأصحاب هذه الاستصلاحات أن يسموا الوقوف مع الأدلة الشرعية وعدم تعدّي حدود الله جمودًا مع النصوص. فنقول لهم: أن كان هذا جمودًا عندكم فنحن نعلنها بأننا فخورون بهذا الجمود معتزون به ونسأل الله تعالى أن يحيينا ويميتنا عليه. وهنيئًا لكم بالانحلال عن النصوص والتحرر من الأدلة وتعدي حدود الله في ظل استصلاحاتكم واستحساناتكم المتهافتة.
المصالح المرسلة
ومثال الترس
ولاستكمال الكلام في هذا الموضوع ولكي لا نُبقي للمتلاعبين في دين الله ثغره. اعلم أن بعض العلماء قد تكلموا في قبول المصلحة إن اجتمعت فيها شروط ثلاث.
أولها: أن تكون مصلحة حقيقية وليست مصلحة وهمية.
ثانيها: أن تكون مصلحة عامة وليست شخصية.
ثالثها: أن لا تعارض هذه المصلحة حكمًا أو دليلًا شرعيًا.
جاء في إرشاد الفحول ص (242) : (إن كانت تلك المصلحة ضرورية ،قطعية، كلية، كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر.
(1) 16) وقد ردّ عليه في هذه المسألة الشيخ علي الجعفان اليماني رحمه الله تعالى (أعدم في الحجاز على إثر حادث الحرم سنة 1400هـ، في رسالة سماها(كشف الحقائق) .