ولكثرة إنكاره وعدم مداهنته أو دخوله على الأمراء وفراره من تولى القضاء طلب للسلطان وانفذ أمر إلى الولاة بطلبه، فخرج إلى مكة ومكث فيها متخفيا متواريا، مطلوبًا للصلب، لا يظهر إلا لأهل العلم ومن لا يخافه، وكان ينادى من جاء بسفيان فله كذا وكذا، وقيل هرب إلى اليمن، ولما خاف من اشتداد الطلب عليه بمكة خرج إلى البصرة ونزل قرب منزل يحيى بن سعيد ثم حوّله إلى جواره وفتح بينه وبينه بابًا، فكان يأتيه بمحدثي أهل البصرة يسلمون عليه ويسمعون منه، ثم لما عرف واشتهر مكانه ومقامه تحول إلى منزل الهيثم بن منصور. إلى أن مات فأخرجت جنازته على أهل البصرة فجأة، فشهده الخلق، وصلى عليه عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر الكوفي بوصيه من سفيان لصلاحه، ودفن هناك سنة إحدى وستين ومئة رحمه الله تعالى (1) .
*ومن أقواله رحمه الله تعالى في هذا الباب:
قال الذهبي سمعت العنبري سمعت البوشنجي سمعت أبا صالح الفراء سمعت يوسف بن أسباط يقول قال لي سُفيان:
[إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لصّ، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مراءٍ، وإياك أن تخدع، ويقال لك: ترد مظلمة، وتدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس، اتخذها القُراء سُلّما] أ هـ سير أعلام النبلاء (13/586) .
وكتب سفيان إلى عباد بن عباد… وكان في كتابه:
"إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء وإياك أن تُخدع ويُقال لك لتشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإن ذلك خديعة إبليس، وإنما اتخذها فُجَّار القراء سلما…"أ. هـ. الحلية لأبي نعيم (6/376-377) .
الملك [محمود سبكتكين] (421هـ)
(1) 23) أنظر سير أعلام النبلاء (229/7) وتذكرة الحافظ (203/1) وحلية الاولياء (356/6) وغيرها.