وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده.
وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) أ هـ (1) .
فأعظم مصلحة في الوجود إذن هي توحيد الله تعالى.
ومن أجل ذلك شرع الله الجهاد والاستشهاد فكانت هذه المصلحة مقدمة على كل المصالح الأخرى من نفس أو مال أو عرض أو غيرها إذ شرعة الجهاد حقيقتها بذل جميع المصالح والضرورات من أجل حفظ جناب هذه المصلحة الكبرى. ويبين ذلك قوله تعالى: (والفتنة أكبر من القتل) [البقرة: 217] .
كما وأن أعظم مفسدة في الوجود هو الشرك الذي يناقض التوحيد، لأن ما دونه قد يغفر للموحد أو يشفع فيه شفيع مطاع أو يعذب بقدره ثم يكون مصيره مصير الموحدين.
أما من مات وهو مشرك بالله فقد قال تعالى فيه: (إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة) .
وقال سبحانه: (أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار) رواه البخاري.
فإذا تقرر هذا ،وعرفه المرء. لم يجز له أن يقدم على مصلحة التوحيد أي مصلحة في الوجود.
كما وليس له أن يعظم، إلى جنب مفسدة الشرك أي مفسده في الوجود، لأن الشرع قد قرر أن التوحيد أعظم مصلحة وان التنديد أعظم مفسدة. وهذا إنما مرده إلى الشرع، لا للعقل أو الهوى والاستحسان كما هو مقرر في دين الله.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أنه سئل: (أي الذنب أعظم؟) فقال: (أن تجعل لله ندا وقد خلقك) .
(1) 18) من كلام ابن القيم وذكره أيضا ابن أبي العز في شرح الطحاوية.