الصفحة 48 من 53

، وقال تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه) (1) ، وقال تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب: لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) (2) . ومثل هذا في القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، ويأمرهم بسماع ذلك.

وقد شرع الله تعالى السماع للمسلمين: في المغرب، والعشاء، والفجر. قال تعالى: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا) (3) . وبهذا مدح عبد الله بن رواحة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه

إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه

إذ استثقلت بالكافرين المضاجع

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا

به موقنات أنما قال واقع

وأحوال أهل هذا السماع مذكورة في كتاب الله، من وجل القلوب، ودمع العيون، واقشعرار الجلود. وإنما حدث سماع الأبيات بعد هذه القرون، فأنكره الأئمة، حتى قال: الشافعي -رحمه الله- خلَّفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير، يزعمون أنه يرقق القلوب، يصدون به الناس عن القرآن. وسئل الإمام أحمد عنه فقال: محدث، فقيل له: أنجلس معهم فيه؟ فقال: لا يجلس معهم.

والنهي إنما يتوجه إلى الاستماع دون السماع، ولهذا لو مر الرجل بقوم يتكلمون بكلام محرم لم يجب عليه سد أذنيه؛ لكن ليس له أن يستمع من غير حاجة، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بسد أذنيه لما سمع زمارة الراعي (4) : لأنه لم يكن مستمعًا بل سامعًا.

وقول السائل وغيره: هل هو حلال؟ أو حرام؟ لفظ مجمل فيه تلبيس، يشتبه الحكم فيه، حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه؛ وذلك أن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين:

(4) 38) رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب (باب كراهية الغناء والزمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت