ثم سرد لنا الأبواب الستة، ونوّع لنا الفعل الماضي إلى فعَل وفعِل وفعُل، وذكر أنواع كل بناء من الفعل المضارع له، فعَل يأتي على ثلاثة أبواب، وفعِل يأتي على بابين، وفَعُل يأتي على باب واحد. فلما انتهى من سرد هذه الأبواب، انتقل إلى النوع الثاني من الفعل المجرد وهو الرباعي، وقدّم الثلاثي كما سبق على الرباعي لذلك أشار بـ (ثُمَّ) ، و (ثُمَّ) تفيد الترتيب الذِكري، وأن ثَمَّ تدرجًا في الارتقاء من الأول إلى الثاني، و (ثُمَّ) هذه تدل وتشير على أن حق مدخولها أن يُذكر بعد متبوعها، ما هو مدخول (ثُمَّ) هنا؟ (ثُمَّ الرُّبَاعِيُّ) هذا مدخولها، أما متبوعها (فعلٌ ثُلاثيٌ) ، فتشير ثُم وتدل على أن حق مدخولها أن يُذكر بعد متبوعها، وعليه لِمَ قدَّم الصرفيون الثلاثي على الرباعي؟ قيل: لإحدى علتين: أولًا: أن الثلاثي موافقًا للطبع؛ لأن النفس والطبائع تستحضر الثلاثي أو ما رُكِّبَ من ثلاثة قبل أن تستحضر ما رُكِّبَ من أربعة، هذا في النفس في نفس كل إنسان يستحضر الاثنين قبل الثلاثة، لذلك إذا قيل: ثُلاثي، قد يتبادر إلى الذهن ثنائي، وإذا قيل: ثنائي، يتبادر إلى الذهن أُحادي، وهلّم جرا. فإذا قيل: رُباعي يتبادر إلى الذهن ثُلاثي، إذًا قُدم الثلاثي على الرباعي ليوافق الوَضْعُ الطَبْعَ. المقصود بالوَضْع: الكتابة في التأليف وفي التدريس، إذا أراد أن يُعلِّم أو يدرس يُقدم الثلاثي على الرباعي، لماذا؟ لأنك تضع أمامك أو في كلامك ما يوافق ما جرى عليه طبعك،
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ ... وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ
وَقَدِّمِ الأَوَّلَ عِنْدَ الْوَضْعِ
لذلك يقولون: التصورات مقدمة على التصديقات، لم؟ لأن التصورات متعلقة بالمفردات، والتصديقات متعلقة بالمركبات، والعلمُ بالمفردات سابقٌ ومقدمٌ على العلمِ بالمركبات. أمور عقلية منطقية, (إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ) يعني عُلِم تصورًا، (وَدَرْكُ نِسْبَةٍ) يعني درك وقوع نسبة (بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ) . إذًا التصور مقدّم على التصديق؛ لذلك قال:
وَقَدِّمِ الأَوَّلَ عِنْدَ الْوَضْعِ ... لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ بِالطَّبْعِ
كل ما قُدِّم بالطبعِ فلابد من موافقة الوضع للطبع، لذلك قُدِّم الثلاثي على الرباعي. وقيل: لأن الثلاثي أصلٌ للرباعي، بالنسبة للرباعي الثلاثي أصل للرباعي، فأصل الرباعي هو ثلاثيٌ مجرد، فزيد عليه حرفٌ أصلي فصار أربعة أحرف، فإذا كان أصلًا له إذًا الأصل حقه أن يتقدم على الفرع. إذًا هذه العلة التي أشار إليها الناظم بقوله: (ثُمَّ) ؛ لأن (ثُمَّ) تدل على الترتيب الذكري، يعني حق ما بعدها أن يُذكر بعد متبوعها، يعني بعد ما قبلها.
ثُمَّ الرُّبَاعِىُّ بِبَابٍ وَاحِدِ ...