أما الفعل فيقف فيه التجرد عند أربعة أحرف، لماذا؟ قالوا: لأنه لو وضع على خمسة أحرف وهم عندهم قاعدة: أن الاسم أعلى وأشرف من الفعل، والفعل لا يعلو على الاسم، لذلك قيل: سُمي الاسم اسمًا لعلوه على أخويه الفعل والحرف، فأقلّ أو أكثر ما يكون عليه الاسم من التجرد خمسة أحرف، وأكثر ما يكون عليه الفعل من التجرد أربعة أحرف، أيهما أعلى؟ الاسم، لو وضع الفعل على خمسة أحرف أصول، ثم بهذا الوضع صار مساويًا للاسم، فإذا اتصل ضمير رفعٍ بالفعل الخماسي المجرد الأصول لو وضع - ومن المعلوم أن الفاعل مع فعله كالجزء من الكلمة - ينبني على هذا أنه إذا كان كالجزء من الكلمة صار كأنه أصلًا من الكلمة، فصار الخماسيُ الأصول في الفعل سداسيًا، فعَلاَ على الاسم، وهم عندهم قاعدة: أن الاسم لا يعلو عليه الفعل، الفعل يقول له الاسم مكانكِ تُحمدي، يعني ابقَ في مكانك ولا تعلو علي بوزنٍ تكون به أفضل مني، فلذلك وقف الفعل عند الرباعي، وهذا أقول عند البصريين. يعني تقييدًا واحترازًا عن مذهب الكوفيين، فإنَّ الكوفيين يرون أقل أو أكثر ما يكون عليه الفعل بالتجرد هو ثلاثة أحرف، ليس عندهم فعلٌ مجرد الحروف وحروفه كلها أصول إلا الثلاثي، فما زاد على ذلك كدحرج وسرهف وزلزل ووسوس هذه عندهم ثلاثيٌ مزيدٌ بحرف. إذًا لا وجود للرباعي المجرد الأصول عند الكوفيين، بل هو ثلاثيٌ مزيدٌ بحرف، واختلفوا في هذا الحرف الزائد دحَرْج على وزن فَعْلَلَ، ما هو الحرف الزائد؟ ذهب الكسائي إلى أن الحرف الأخير دحرج الجيم هو الحرف الزائد، وذهب الفرّاء إلى أن ما قبل الأخير هو الحرف الزائد، دحرج الراء عند الفرّاء هو الحرف الزائد، والجيم عند الكسائي هو الحرف الزائد, لكن المُرجَّح أن مَذهب البصريين أولى، لِمَ؟ لأن من ضابط الحرف الزائد أنه يسقط في بعض التصاريف، ووجدنا أن الجيم والراء هذه لاتسقط في نوعٍ من تصاريف الفعل، دحرج يدحرج دحرجةً ودحراجًا ومُدحرِجٌ ومُدحرَجٌ هذه كلها تصاريف للفعل فالحرف لازمٌ.
وَالْحَرْفُ إِنْ يَلْزَمْ فَأَصْلٌ وَالَّذِيْ ... لاَ يَلْزَمُ الزَّائِدُ مِثْلُ تَا احْتُذِيْ
وهذا يلزم، إذًا هو أصلٌ. إذًا القسمة قسمة الفعل المجرد إلى ثُلاثي ورباعي هذا عند منْ؟ عند البصريين، أما عند الكوفيين فليس ثمَّ إلا ثلاثيٌ مجرد، وما زاد على الثُلاثي فهو ثلاثيٌ مزيدٌ فيه، واختلفوا في الحرف الزائد، قيل: الأخير، وقيل: ما قبل الأخير. والمرجّح هو مذهب البصريين, ذكر الناظم فيما سبق أبنية الفعل الثلاثي المجرد فقال:
فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ إِذَا يُجَرَّدُ ... أَبْوَابُهُ سِتٌّ كَمَا سَتُسْرَدُ