الشرك هو الصرف، صرف بعض العبادة لغير الله، والْمُشْرَك به هو الصنم والهوى والشجر والحجر، إذًا لا تشركوا به شيئًا فيه نكرتان، نكرة صريحة وهي قوله: ( {شَيْئًا} ) . جاءت في سياق النهى فتعم، لا تشركوا به شيئًا أيًّا كان هذا الشيء، ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًّا مرسلًا، ولو كان حجرًا أو صنمًا أو شجرًا أو هوى أو .. أو .. فصارت عامة.
إذًا العموم في قوله: ( {شَيْئًا} ) عموم للمُشْرَك به، وأما كون الآية تدل على النهي عن الشرك الأصغر والأكبر هذا مأخوذ من قوله: ( {وَلاَ تُشْرِكُوا} ) . لأن (لا تشركوا) قلنا: هذا فعل مضارع، والفعل المضارع منسبك يعني مؤلف ومركب من مصدر وزمن لأن الفعل مشتق، وأصل الاشتقاق هو المصدر:
والمصدر الأصل وأي أصل ... ومنه يا صاح اشتقاق الفعل
فالفعل مشتق من المصدر، إشراك أخذت منه تشرك، فحينئذٍ صار تشرك إشراك وزيادة للدلالة على الزمن.
الحاصل نقول: (تشركوا) هذا متضمن لمصدر، والمصدر نكرة، ووقعت في سياق النهي فعمّت الشرك الأكبر والأصغر والخفيّ، ( {وَلاَ تُشْرِكُوا} ) هذا فيه عموم من جهة وقوع الشرك نفسه، (شيئًا) هذا نكرة في سياق النهي فتعم
الْمُشْرَك به. يعني لا ملك مقرب ولا نبيًّا مرسلًا ولا إلى غير ذلك.
إذًا دلت الآية على ماذا؟ دلت على أن العبادة لا تتم إلا باجتناب الشرك قليله وكثيره، ظاهره وخفيّه، فهو شرط في صحة العبادة، اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فحينئذٍ ما تضمنه قوله جل وعلا: ( {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} ) . من النهي عن الشرك صرح به في قوله: ( {وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ) .
يقول الشيخ هنا تعليقًا على هذه الآية: (واستدل المصنف رحمه الله بقوله عز وجل:( {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ) . فأمر الله سبحانه وتعالى بعبادته، ونهى عن الشرك). والأمر هنا أمر إيجاب بعبادته - أضافها ( {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} ) ولا تكون العبادة مضافة إلى الله جل وعلا إلا إذا اجتنب فيها الشرك - ونهى عن الشرك به جل وعلا بقوله: ( {وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ) . وهذا - أي الأمر والنهي - يتضمن إثبات العبادة له وحده، فمن لم يعبد الله فهو كافر مستكبر، ما عبد الله ما توجه إلى الله عز وجل بطاعة نقول: هذا كافر مستكبر، استكبار. ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو كافر مشرك - هذا على القول بالفرق بين الكافر والمشرك - لكن: (ومن عبد الله وعبد معه غيره) . نقول: عبد الله تجوزًا ليس حقيقةً، لو أثبتنا أنه عبد الله حينئذٍ نقول: كيف يكون الشرك ناقضًا لعبادته، لا تصح العبادة، وإذا لم تصح العبادة حينئذٍ لا يصح نسبتها إلى الله عز وجل. واضح؟
فقوله هنا رحمه الله: (ومن عبد الله وعبد معه غيره) . هذا باعتبار حاله هو، هو يظن أنه يعبد الله ويعبد معه غيره، حاله كافر مشرك، فإذا كان كافرًا مشركًا فكيف عبد الله؟ والعبادة لا تكون إلا بالإخلاص، تنبه يا هذا! لا تصح العبادة إلا إذا كانت مبنية على التوحيد، والتوحيد لا بد من نفي وإثبات، إثبات العبادة لله جل وعلا، ونفيها عما سواه.