* تابع شرح المرتبة الأولى: الإسلام وأركانها وأدلتها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد شرعنا في الأصل الثاني وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة. وقلنا: قوله: (بِالْأَدِلَّةِ) مراده رحمه الله أن معرفة دين الإسلام لا بد أن تكون ثابتة بالأدلة، وسبق أن مراده (بِالْأَدِلَّةِ) من الكتاب والسنة والإجماع.
ثم عرَّف الأصل الثاني وهو الإسلام بأنه (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالْتَّوْحِيدِ، وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) . وذكرنا أن مراده بهذا التعريف هو الإسلام الشرعي، بمعناه الخاص، لأن الإسلام قد يكون كونيًّا، وهو الاستسلام لأمر الله الكوني، وقد يكون شرعيًّا، ثم هذا يكون على نوعين:
-إسلام عام: وهو ما جاء به جميع الرسل. وهو عبادة الله جل وعلا وحده.
-والإسلام الخاص: وهو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
حينئذٍ إسلام كوني، وإسلام شرعي عام، وإسلام شرعي خاص. والمراد هنا الإسلام الشرعي الخاص، هو في نفسه باعتبار مقابلته بالإسلام العام خاص، وباعتبار اشتماله للمراتب الثلاث نقول: هو عام، ففيه عموم وخصوص، خصوص من جهة مقابلته بالإسلام العام، وهو في نفسه على ثلاث مراتب كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى هنا، حينئذٍ يكون عامًا. فإذًا نقول: المراد بالإسلام الذي عرّفه المصنف هنا رحمه الله هو الاستسلام لله بالتوحيد، وهذا يشمل الاعتقاد والعمل.
بعضهم فسر مراد المصنف هنا بالإسلام المراد به الإسلام الذي يقابل الإيمان، نقول: لا، ليس بصواب هذا، ليس بصحيح، لماذا؟ لأنه قال: (وَهُوَ ثَلاَثُ مَرَاتِبٍ) فأدخل الإيمان، فحينئذٍ يكون الحدّ الاستسلام لله بالتوحيد يكون شاملًا للإيمان كما أنه شامل للإسلام، لأن التوحيد كما سبق هو الإيمان بالله عز وجل، ولذلك يُفسر الركن الأول من أركان الإيمان أن تؤمن بالله بوجوده وإلوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
إذًا التوحيد بأنواعه الثلاث هو داخل في الركن الأول من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله. والإيمان بالله داخل أيضًا في قوله: (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالْتَّوْحِيدِ) لأن أنواع التوحيد ثلاث وليس هذا خاصًا الذي هو توحيد الإلوهية فحسب، لا، كما ذكرنا سابقًا أن لفظ التوحيد إذا أطلق في الشرع شمل الأنواع الثلاثة، ولكن لَمَّا كان الخلاف وقع في توحيد الإلوهية إفراد الرب جل وعلا بالعبادة صار ظاهر استعمال الشرع لهذا النوع هو المتبادر إلى الذهن، وإلا فهو شامل للأنواع الثلاثة.