فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 321

ألا نوحد نحن وأنتم في العبادة (إلا الله) جل وعلا، ثم أكَّد بعض المعاني التي دلت عليها هذه الكلمة زيادة في الإيضاح وتأكيدًا للمقام فقال: ( {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} ) . لأن هذا مفهوم من قوله: ( {أَلاَّ نَعْبُدَ} ) بمعنى ألا نوحد إلا الله في العبادة وألا نتوجه لما سوى الله جل وعلا بأي نوع من أنواع الشرك، أكد على هذا المعنى لأن المقام مقام إيضاح. بقوله: ( {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} ) لا نشرك نفي، وتشرك هذا فعل مضارع منسبك من زمن ومصدر، وهو نكرة في سياق النفي فيعمّ الشرك الأكبر والأصغر والخفيّ، به جل وعلا شيئًا نكرة في سياق النفي فيعمّ كل مُشْرَكٍ به سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا، ( {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} ) لا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا، ولا شيئًا غير الله جل وعلا، بل نفرده بالعبادة وحده لا شريك له.

( {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ} ) وهذا مما تقتضيه كلمة التوحيد إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع، لا حاكم إلا الله {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} فلا يُتَّخَذ ربًّا مشرعًا إلا الله تعالى، ولا حكم إلا بما شرع الله ( {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ} ) يعني لا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله، فقد يجعله ربًّا يعبده من دون الله، ولذلك لما تلا النبي - صلى الله عليه وسلم - {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] . قال عديّ: لسنا نعبدهم، لأنهم لم يصرفوا لهم عبادة ظاهرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا أحلوا ما حرم الله أحللتموه وإذا حرموا ما أحل الله حرمتموه» ؟ قال: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» . إذًا الطاعة في المعصية أمرها خطير. ( {فَإِن تَوَلَّوْاْ} ) يعني امتنعوا وأعرضوا عن الإجابة إلى إفراد الله تعالى ( {فَقُولُواْ} ) في أول الآية قال: ( {قُلْ} ) وهنا قال قولوا، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب لأمته، قاعدة عامة، كل ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو خطاب لأمته و، وجعل هذا دليلًا على هذه القاعدة، ( {فَقُولُواْ} ) أنتم ( {اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ) يعني مخلصون لله في التوحيد دونهم، أي تلفظوا بذلك صراحة بأنكم مسلمون وأنهم كفار، وأنكم بريئون منهم ومما هم عليه، ( {فَقُولُواْ اشْهَدُواْ} ) أي أنتم أيها الكفار ( {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ) موحدون لربنا جل وعلا.

إذًا هاتان الآيتان أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يبين مقام التوحيد، وأن التوحيد لا يحتاج في تفسيره إلى رأي مجرد، بل قد تكفل الله جل وعلا ببيانه أتم بيان وإيضاحه.

ثم قال رحمه الله: (وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) .

نقف على هذا.

وصلى الله وسلَّم [على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت